د. ورود الخصاونة
لا يوجد مكان في الأردن إلا ويحمل قيمة سياحية أو تاريخية أو طبيعية فهذه الأرض لم تكن يوما معبرا عابرا للحضارات بل كانت مستقرا لها وشاهدا على تعاقبها عبر آلاف السنين. من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب تنتشر المدن الأثرية والقلاع والقصور الصحراوية والحمامات الطبيعية والمواقع الدينية لتجعل من الأردن متحفا مفتوحا لا يشبهه مكان آخر في المنطقة. ومع ذلك لا يزال هذا الثراء الكبير محصورا في إطار ضيق من الاهتمام حيث يتركز التركيز السياحي في الغالب على مواقع محددة مثل البتراء وجرش رغم أهميتها بينما تبقى عشرات المواقع الأخرى خارج دائرة الاستثمار والترويج وكأنها خارج خارطة السياحة الوطنية.
لقد عاشت على أرض الأردن حضارات متعددة تركت إرثا إنسانيا فريدا من العمونيين والمؤابيين والأنباط إلى الرومان والبيزنطيين والحضارة الإسلامية وكل حضارة تركت شواهد لا تزال قائمة حتى اليوم. هذه المواقع لا تعاني من نقص في القيمة أو الجمال بل تعاني من الإهمال وغياب البنية التحتية والمرافق الأساسية التي تجعلها قادرة على استقبال الزوار. فالكثير من المواقع تفتقر إلى طرق مناسبة أو لوحات إرشادية أو مرافق خدمية تشمل مجموعة واسعة من الخدمات التي تدعم راحة الزوار وتلبي احتياجاتهم الأساسية والترفيهية الأمر الذي يحرمها من أن تكون وجهات سياحية حقيقية رغم جاهزيتها التاريخية والطبيعية.
وفي ظل الظروف الإقليمية الراهنة حيث تشهد معظم دول الجوار أوضاعا سياسية وأمنية غير مستقرة يبرز الأردن كواحة أمن واستقرار وهي ميزة نادرة وثمينة في هذا التوقيت تحديدا.. هذه الميزة تشكل فرصة حقيقية لاستقطاب السياحة العربية التي تبحث عن وجهات آمنة وقريبة وتحمل بعدا ثقافيا وحضاريا مشتركا. إلا أن هذه الفرصة لا تزال غير مستثمرة بالشكل الذي يليق بالأردن سواء على مستوى التخطيط أو الترويج أو تطوير المنتج السياحي خارج الإطار التقليدي.
وعند مراجعة الجهات الرسمية حول أسباب هذا القصور غالبا ما يكون الرد جاهزا بالتحجج بقلة المخصصات المالية وكأن السياحة عبء إضافي على الموازنة العامة لا قطاعا إنتاجيا قادرا على توليد الدخل. ورغم واقعية هذا التحدي إلا أن الاستمرار في التعامل معه كذريعة يبدد فرصا تنموية حقيقية. فالحل لا يكمن فقط في زيادة الإنفاق الحكومي بل في تبني نماذج جديدة تقوم على الشراكة مع القطاع الخاص من خلال منح مستثمرين حق استثمار هذه المواقع أو محيطها وفق شروط واضحة وصارمة تضمن الحفاظ على القيمة الأثرية والتاريخية وعدم المساس بهوية المكان.
إن منح المستثمرين فرصة تطوير هذه المواقع وإنشاء مرافق سياحية وخدمية مدروسة لا يعني التفريط بالإرث الوطني بل على العكس يمكن أن يكون وسيلة لحمايته وإحيائه. فوجود مطاعم ومراكز زوار ومسارات سياحية وخدمات لوجستية ضمن ضوابط دقيقة يسهم في جذب السياح وإطالة مدة إقامتهم ويحول المواقع المهملة إلى نقاط جذب فاعلة. كما أن هذا التوجه يفتح الباب أمام توفير فرص عمل لأبناء المجتمعات المحلية وينعش المشاريع الصغيرة والحرف التقليدية ويخلق دخلا إضافيا مستداما للدولة بعيدا عن الاعتماد على الخزينة.
السياحة في الأردن ليست ترفا ولا خيارا ثانويا بل هي ضرورة وطنية واقتصادية في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى استثمار كل ما تملك من مقومات. فالأردن يمتلك التاريخ والموقع والأمن والإنسان القادر على العطاء وما ينقصه هو إعادة النظر في آلية إدارة هذا القطاع والخروج من دائرة التركيز على مواقع محددة إلى رؤية شمولية ترى في كل محافظة فرصة وفي كل موقع حكاية تستحق أن تروى للعالم. إن الاستثمار الذكي في السياحة هو استثمار في الهوية والاقتصاد معا وهو الطريق الأقصر لتحويل كنوز الأردن المؤجلة إلى إنجازات ملموسة تخدم الحاضر وتحفظ المستقبل.



