المحامي صالح الخشمان السرحان / رئيس مجلس محافظة المفرق السابق
إن إدارة البلدية وصلاحياتها التنفيذية والسياسية ترتبط برئيس البلدية بوصفه المنتخب والمسؤول الأول أمام المواطنين ، وصاحب الولاية العامة في توجيه العمل البلدي ، بينما يندرج دور مدير البلدية(المُعيَّن) في الإطار التنفيذي والفني بوصفه موظفًا عامًا يُنفّذ السياسات والقرارات ولا يحلّ محلّ الإرادة المنتخبة ، وأي محاولة للفصل بين الإدارة ورئيس البلدية ، أو نقل مركز القرار إلى موقع غير منتخب ، تُعدّ مخالفة لجوهر العمل البلدي، وإفراغًا للديمقراطية المحلية من مضمونها، وتراجعًا خطيرًا عن فلسفة اللامركزية التي قامت على ربط القرار بالخدمة والمساءلة الشعبية.
حيث تُعدّ البلديات مؤسساتٍ أهلية تتمتع باستقلالٍ مالي وإداري ، وتعتمد في موازناتها على الضرائب والرسوم التي تُحصَّل من المواطنين ، وتُناط بها مسؤوليات التنمية والخدمات والنظافة والاستثمار ضمن الحدود الجغرافية لكل بلدية . وعليه ، فإن رئيس البلدية هو صاحب قرار ومسؤولية ، لا موقعًا فخريًا ولا منصبًا شكليًا ، وأي محاولة لتجريده من صلاحياته تُعدّ أمرًا مرفوضًا جملةً وتفصيلًا ، ومساسًا مباشرًا بجوهر العمل البلدي .
أما مجالس المحافظات ، فهي تعتمد في موازناتها على خزينة الدولة ، إذ تحصل المحافظات مجتمعة على ما نسبته (1%) من إجمالي الموازنة العامة ، وهي نسبة متواضعة قياسًا بحجم التحديات التنموية القائمة . وتُوزَّع هذه المخصصات وفق أسس ومعايير تهدف إلى تحقيق العدالة بين المحافظات ، بعيدًا عن المركزية المفرطة وهيمنة المراكز على حساب الأطراف .
وقد تولّت مجالس المحافظات توزيع حصصها المالية بعدالة على مختلف المناطق ، وأنفقت – بحسب الأرقام الرسمية – ما يقارب مليار دينار أردني على مشاريع شملت مختلف القطاعات الحيوية . إلا أن هذا النهج لم يرق للبعض ، إذ يسعى طيفٌ منهم إلى احتكار تقديم الخدمات لتحقيق مكاسب شعبوية ، وإبقاء الخدمة مرهونة بالواسطة والنفوذ ، الأمر الذي يعيدنا إلى المربع الأول ، حيث تغيب العدالة وتتراجع المؤسسية( هكذا قرأت في مسودة مشروع القانون الإدارة القادم، إن صح)...؟؟!!.
إن هذا التوجه يتعارض بشكلٍ صريح مع مسار الإصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية التي ينادي بها جلالة الملك ، في إطار مشروع التحديث الشامل للدولة . ويُعدّ مشروع قانون الإدارة الجديد ، بصيغته الأخيرة ، بمثابة المسمار الأخير في نعش الإصلاح ، إن لم يُعاد النظر فيه بعقلية وطنية مسؤولة .
فقانون اللامركزية لم يكن مجرد تشريع إداري عابر ، بل مشروعًا تنمويًا استراتيجيًا جاء بتوجيهات ملكية سامية ، هدفه إيصال الخدمة إلى جميع المناطق ، ولا سيما المناطق الأقل حظًا ، وتعزيز مفاهيم التنمية المستدامة في مختلف القطاعات ولكافة شرائح المجتمع دون استثناء .
ومن هنا ، نُذكّر السادة النواب الكرام بضرورة ردّ مسودة هذا المشروع غير التنموي ، والعمل على نشره للرأي العام ، وعقد جلسات حوارية موسّعة مع رؤساء البلديات وأعضاء اللامركزية ورؤساء مجالس المحافظات ولادة المجتمع المدني والمعنيين بالتنمية المستدامة، للخروج بتجربة تشريعية ناضجة ، تُنظَّم بقانون يخدم التنمية المستدامة ويُطوَّر نحو الأفضل ، دون التفريط بجوهره أو الانقلاب على أسسه .
إن قانون اللامركزية ، الذي جاء استنادًا إلى توصيات ملكية سامية ، كان ولا يزال من أبرز القوانين الإصلاحية ، إذ غايته تقديم أفضل الخدمات للمواطنين . نعم ، هو بحاجة إلى تطوير وتعديل إيجابي ، لكن دون الخلط بين صلاحيات البلديات ومجالس المحافظات ، أو إفراغه من مضمونه الإصلاحي .
كما أن اللامركزية لم تكن يومًا ترفًا إداريًا ، بل مسارًا إصلاحيًا حقيقيًا أعاد توزيع التنمية بعدالة ، وكسر احتكار القرار ، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع في صناعة التنمية المحلية .
إن التراجع عن هذا المسار يُمثّل تراجعًا عن رؤية إصلاحية واضحة ، وعن توجيهات ملكية صريحة بالتحديث السياسي والاقتصادي ، ويُعيدنا مجددًا إلى مفاهيم الواسطة والمحسوبية التي دفع المواطن ثمنها طويلًا .
وعليه ، فإن المطلوب اليوم ليس هدم ما تحقق ، بل تصويب المسار ، والبناء على الإنجاز ، وتعزيز التجربة بما يخدم الوطن والمواطن على حدٍّ سواء...
"والله من وراء القصد".




