دكتورة تمارا برو / باحثة في الشؤون الآسيوية والصينية
بالنظر إلى الصراعات والتوترات المستمرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يتزايد الطلب على شراء الأسلحة، حيث أصبحت المنطقة تستحوذ على نحو 27% من واردات الأسلحة العالمية، وارتفع حجم الانفاق العسكري فيها بمعدل 15% خلال عام 2024 ليشمل 243 مليار دولار، وفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. أما شركة فوركاست انترناشيونال الأميركية للأبحاث العسكرية، قدّرت نفقات الشرق الأوسط بقيمة 220،6 مليار دولار عام 2024 ، بمعدل نمو 15،6 عن متوسط عام 2024، وتوقعت أن يصل حجم الانفاق العسكري في المنطقة إلى 226 مليار دولار خلال عام 2025، و 232 مليار دولار خلال عام 2026.
وتصنّف قطر والسعودية ومصر والكويت ضمن أكبر عشر دول مستوردة للأسلحة في العالم. ومع لجوء دول المنطقة إلى تنويع مصادر شركائها للأسلحة، وسعيها إلى توطين الصناعة العسكرية، تبدو المنافسة محتدمة بين الدول المصنعة للأسلحة بهدف ترسيخ وجودها في المنطقة. ومن بين هذه الدول كوريا الجنوبية الطامحة لترسيخ مكانتها بين أكبر مصدري الأسلحة في العالم.
فوفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تحتل كوريا الجنوبية حالياً المرتبة العاشرة بين أكبر مصدري الأسلحة في العالم ، وتسعى إلى بلوغ المركز الرابع بحلول عام 2027. أما صادراتها من الأسلحة إلى الشرق الأوسط، فقد تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال خمس سنوات إذ ارتفعت من حوالي 241 مليون دولار أميركي في العام 2019 إلى حوالي 747 مليون دولار أميركي عام 2024.
وتسعى دول الشرق الأوسط إلى تنويع مصادر شركائها للأسلحة، كي لا تبقى تعتمد على الموريدين التقليدين كالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، لذلك أخذت تشتري الأسلحة من الهند والصين وروسيا وكوريا الجنوبية.
بالاضافة إلى ذلك، تعمل بعض دول المنطقة على توطين الصناعات العسكرية، لذلك ضخّت مليارات الدولارات لتحقيق هذا الهدف. فالسعودية مثلاً تسعى إلى بناء صناعة دفاع محلية، تماشياً مع رؤية السعودية 2030، التي تدعو إلى توطين ما لا يقل عن 50% من الانفاق الدفاعي بحلول 2030. والإمارات العربية المتحدة التي تهدف أيضاً إلى بناء قاعدة عسكرية محلية ضمن برنامج التوازن الاقتصادي الإماراتي. كما أن دول المنطقة لا تريد أن تبقى رهينة للشروط السياسية التي تفرضها بعض الدول المصدرة للأسلحة، فضلاً عن أن القرار الأميركي ببقاء التفوق العسكري في المنطقة لصالح إسرائيل يثير امتعاض بلدان الشرق الأوسط.
من ناحية أخرى، أدى عدم تدخل الولايات المتحدة الأميركية لثني إسرائيل عن تنفيذ هجومها على قطر خلال شهر أيلول / سبتمبر الماضي إلى شكوك دول المنطقة، لاسيما دول الخليج ، حول مصداقية الولايات المتحدة الأميركية في توفير مظلة الحماية الأمنية لهم، ما سرع خططهم في الاعتماد الذاتي على التصنيع العسكري والبحث عن موردين أكثر موثوقية.
حالياً تتجه دول المنطقة نحو كوريا الجنوبية التي سعت بدورها خلال السنوات الماضية إلى تعزيز حضورها في المنطقة عبر توسيع التعاون مع بلدان الشرق الأوسط، لاسيما في المجال العسكري، فباتت سول واحدة من أبرز موردي الأسلحة إلى المنطقة. ويُعد ذلك جزءاً من استراتيجيتها الأوسع K-Defense ، وهي مبادرة وطنية تهدف إلى ترسيخ مكانة البلاد كأحد أبرز مصدري الأسلحة عالمياً عبر توسيع وجهة الصادرات الكورية من الأسلحة لتشمل أسواق استراتيجية مثل الشرق الأوسط وأوروبا ،وتسعى هذه المبادرة في الوقت نفسه إلى تحويل قطاع الدفاع الوطني إلى محرّك رئيسي للنموّ الاقتصادي، وإلى تعزيز نفوذ البلاد على الساحة الدوليّة من خلال توسيع نطاق التعاون الأمني والدبلوماسيّ الدفاعيّ.
تتمتع كوريا الجنوبية بعلاقات جيدة مع دول الشرق الأوسط. وتعززت العلاقات بينهما خلال السنوات الأخيرة، لاسيما في مجالي الطاقة والدفاع. وساهمت الزيارات التي قام بها مسؤولو الجانبين في نموها وتطورها. مثلاً حظيت الزيارة التي أجراها الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ ، العام الماضي، إلى مصر والإمارات العربية وتركيا باهتمام بالغ، حيث جرى توقيع العديد من الاتفاقيات في مختلف المجالات.
خلال السنوات الماضية أبرمت كوريا الجنوبية صفقات أسلحة بمليارات الدولارات مع مصر والإمارات والسعودية وتركيا والعراق.
فمنذ عام 2022، أبرمت كوريا الجنوبية عقوداً مع ثلاث دول عربية لتزويدها بنظام صواريخ الدفاع الجوي المتطور متوسط المدى KM-SAM وهي الإمارات والسعودية والعراق الذي يتوقع نشر النظام مطلع عام 2026. وأفادت تقارير إعلامية مؤخراً عن أن العراق يدرس إبرام صفقة بقيمة 6.5 مليار دولار أميركي مع كوريا الجنوبية لشراء 250 دبابة قتالية من طراز K2.
وفي أثناء الزيارة التي قام بها رئيس كوريا الجنوبية، لي جاي ميونغ، إلى الإمارات، اتفق البلدان على التعاون في التطوير المشترك للأسلحة والانتاج المحلي والتصدير إلى دولة ثالثة، وهو اتفاق قد تصل قيمته إلى 15 مليار دولار أميركي. وتبدي الإمارات اهتماماً بالمقاتلة الكورية KF-21 ، وقد عرضت شركة صناعات الفضاء الكورية نموذجاً أولياً من الطائرة في معرض دبي للطيران الذي تزامن مع زيارة الرئيس لي. ومن المتوقع أن تبدأ كوريا بتسليم أولى طائراتها المقاتلة من طراز KF-21 Boramae محلية الصنع إلى القوات الجوية لكوريا هذا العام.
وفي مصر اتفق لي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على تعزيز التعاون الدفاعي، وشهدت المناقشات العسكرية بين البلدين تقدماً ملموساً حول الطائرة المقاتلة FA-50 المنافسة للمقاتلة الأميركية F-16. وتجد مصر في كوريا الجنوبية شريكاً رئيسياً بعد تعثر صفقة شراء طائرات الأميركية F-15 ، والضغوطات التي تُمارس لمنع مصر من شراء الطائرة الصينية J-10C .
وفي إطار آخر تشير التقارير إلى أن السعودية تجري تقييماً جاداً لاقتناء منظومة صواريخ كروز بعيدة المدى Hyunmoo-3 الكورية الجنوبية. ويأتي اقتناء الصواريخ المرتقب بعد سنوات من المحاولات السعودية غير الناجحة لتأمين أسلحة متطورة بعيدة المدى .
كما أن الجزائر تدرس عقود تسليح واسعة مع كوريا الجنوبية في إطار سياستها لتنويع مصادر التسلح وتقليل الاعتماد على روسيا. أما المملكة المغربية فهي الأخرى تتفاوض مع كوريا الجنوبية من أجل دعم ترسانتها العسكرية عبر اقتناء أسلحة كورية تشمل دبابات وغواصات وأنظمة دفاع جوي.
ينبع اهتمام دول المنطقة بالأسلحة الكورية الجنوبية من الثقة المتبادلة بين البلدين، وبفضل ما أثبتته من موثوقية في أثناء عملية تشغيلها في جنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية وأوروبا.
وبالنظر إلى أن دول المنطقة تهدف إلى توطين صناعاتها العسكرية، تطبق كوريا الجنوبية نموذجاً ثلاثي المراحل يقوم على التطوير المشترك ونقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي، لضمان استقلال تكنولوجي مستدام في الدول الشريكة.
عدا عن أن كوريا الجنوبية لا تفرض قيوداً سياسية أو تقنية على أسلحتها، ولا تخضع لعقوبات غربية مثل روسيا، وتلتزم بمواعيد التسليم كونها لا تخوص نزاعات أو صراعات مع أي دولة وهي حليف للولايات المتحدة الأميركية على عكس الصين التي تشهد منافسة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تريد كبح توسع النفوذ الصيني، لذلك تضغط على الدول لتقليل تعاونها العسكري مع بكين بحجة حماية الأمن القومي الأميركي.
فضلاً عن أن سول تمتلك أسلحة متطورة بجودة عالية وبأسعار مقبولة مقارنة بالأسلحة الغربية الباهظة الثمن أي أنها تطرح نفسها بديلاً يجمع بين الجودة العالية والتكلفة الأقل والمرونة السياسية. كما أن الأسلحة الكورية الجنوبية تتوافق مع البنى العسكرية القائمة لدى معظم دول المنطقة كون أنها أسلحة غربية في أغلبها.
تسعى كوريا الجنوبية إلى تطوير قدراتها العسكرية، وإلى أن تصبح مورداً أساسياً للأسلحة إذ تعتزم سول زيادة ميزانيتها الدفاعية لعام 2026 بنسبة 8،2% لتصل إلى 47،1 مليار دولار اميركي.
ينبع سعي سول إلى تعزيز صناعاتها العسكرية من التوترات التي تشهدها شبه الجزيرة الكورية، واستمرار كوريا الشمالية في تطوير برنامجها النووي وترسانتها العسكرية، والعلاقات المتنامية بين كوريا الشمالية وروسيا والصين.
وبالنظر إلى التنافس الاقليمي وصراع النفوذ بين دول المنطقة، والتوترات مع إسرائيل، فمن المحتمل أن تعمق دول المنطقة علاقاتها مع كوريا الجنوبية في المجال العسكري بسبب الموثوقية التي تتمتع بها سول لدى دول الشرق الأوسط .
ومع تزايد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يتزايد الطلب على الأسلحة، وتسعى كوريا الجنوبية إلى استغلال الطلب المتزايد على الأسلحة في الشرق الأوسط كفرصة لتعزيز صادراتها .
وتسعى كوريا الجنوبية من خلال مبادرتها SHINE، التي أطلقها الرئيس لي خلال زيارته لمصر، إلى تعزيز السلام الاقليمي وتعميق الشركات الاقتصادية والثقافية والابتكار مع دول المنطقة التي توليها سول أهمية لما تؤديه المنطقة من دور حيوي في مجالات أمن الطاقة والتجارة والاستقرار الاقليمي.




