الدكتور احمد ناصر الطهاروة
يثير ما جرى مؤخرًا من تدخل عشائري في سجال سياسي بين وزير في الحكومة وأحد النواب أسئلة عميقة تتجاوز الأشخاص وأسماء المواقع، لتصل مباشرة إلى جوهر الدولة ومنطق إدارتها. وتمس مبدأً بالغ الخطورة: هل تُدار الخلافات السياسية في دولة المؤسسات بالقانون، أم بمنطق الغلبة الاجتماعية؟
إن اللجوء إلى العشيرة أو الاستقواء بها في نزاع يفترض أن يُحسم داخل القبة البرلمانية، أو عبر القنوات الدستورية والرسمية، يشكّل سابقة مقلقة لا يمكن التعامل معها بخفة. فحين يخرج الخلاف السياسي من إطاره المؤسسي، ويتحوّل إلى حالة ضغط اجتماعي، نكون قد بدأنا – من حيث لا نشعر – تقويض فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على القانون لا على موازين النفوذ.
الدستور الأردني كان واضحًا وحاسمًا في تنظيم العلاقة بين السلطات، وفي رسم آليات المحاسبة والمساءلة، وحدد بدقة الأطر التي تُدار من خلالها الخلافات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وعليه، فإن أي قرار حكومي، أو موقف سياسي، يجب أن يُناقش ويُنتقد ويُعارض ضمن هذه الأطر، لا أن يُواجَه بمنطق الاستقواء أو محاولة فرض الإرادة خارج المؤسسات.
الأخطر من ذلك، أن فتح الباب أمام المعادلات العشائرية في السياسة يعني – عمليًا – إدخال الدولة في منطقة رمادية، تصبح فيها القرارات خاضعة لحسابات اجتماعية متغيرة، لا لمعايير دستورية ثابتة. وهذا مسار، إن استُمرئ، سيؤدي حتمًا إلى إضعاف مبدأ المواطنة المتساوية، وإلى شعور ضمني بأن القانون لا يُطبّق بالقدر ذاته على الجميع.
وهنا لا بد من التأكيد – وبوضوح لا لبس فيه – أن العشيرة في الأردن مكوّن وطني أصيل، ولها تاريخ مشرّف في حماية الدولة، والدفاع عن استقرارها، والوقوف إلى جانب مؤسساتها في أصعب الظروف. غير أن هذه المكانة ذاتها تفرض علينا مسؤولية مضاعفة في حمايتها من الزجّ بها في نزاعات سياسية آنية، لأنها بذلك تُحمَّل ما لا تحتمل، وتُستنزف رمزيتها الوطنية في معارك لا تخدمها ولا تخدم الدولة.
الدولة القوية لا تُدار بالأعراف عند الاختلاف، بل تُدار بالقانون، والعشيرة القوية هي التي تبقى سندًا للدولة، لا بديلًا عن مؤسساتها.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو تطبيع هذا المسار، أو التعامل معه كأمر عابر. فالدولة التي تسمح بانزلاق السياسة إلى خارج مؤسساتها، تُضعف نفسها بيدها، حتى وإن كانت النوايا حسنة.
دولة القانون لا تُبنى بالشعارات، بل بحماية الحدود الفاصلة بين الاجتماعي والسياسي، وبين الانتماء والسلطة، وبين العشيرة والدستور.




