آخر الأخبار
إنجلترا تصحح المسار من أرض التشيك في دوري الأمم الأوروبيةإنكار الإنجاز .. لماذا؟مكتب نتنياهو يتحدث عن تحذيرات من هجمات قبل الانتخاباتتوزيع كلفة الحربالعاهل المغربي يعين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومةالميثاق الوطني يناقش مضامين خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدةقيادة مسلحة بالهندسة والتجربة.. فرح البدارنة تعتلي سدة الأمانة العامة للاتحاد الأردني لكرة القدمشراكة جديدة تضع الطالب في قلب التطوير.. «الوطني لصعوبات التعلم» و«أيبك» يفتحان طريقا جديدا للتكامل التعليميعقول تصنع الغد.. وشباب البلقاء يكتبون فصلًا جديدًا من التغييرترامب: إيران في وضع سيء للغاية
رأي

الخصاونة يكتب : دورُ القيادةِ العُليا في المؤسّساتِ: التّخطيطُ الاستراتيجيّ أمِ التّواجدُ الميدانيُّ المستمرّ؟

منذ 9 أشهر3 دقائق قراءة
التحكم بالخط:
الخصاونة يكتب : دورُ القيادةِ العُليا في المؤسّساتِ: التّخطيطُ الاستراتيجيّ أمِ التّواجدُ الميدانيُّ المستمرّ؟
بقلمالقلعة نيوزكاتب مقال · 11,290 مقالاً
كل مقالات الكاتب

الدكتور صائب الخصاونة

في عالمِ الإدارةِ والقيادةِ، يُثارُ دائمًا نقاشٌ حولَ أدوارِ المسؤولينَ في قمّةِ الهرمِ التّنظيميّ، سواءٌ كانوا مدراءَ تنفيذيّين، وزراءَ، أو رؤساءَ مؤسّساتٍ كبرى. هل يجبُ أن يكونَ القائدُ حاضرًا باستمرارٍ في الميدانِ لتفقّدِ سيرِ العمل؟ وهل بالإمكانِ استدامةُ هذا النّهج؟ الحقيقةُ أنّ التّواجدَ الميدانيَّ المستمرَّ ليسَ من الأدوارِ الأساسيّةِ للقيادةِ العُليا، بل هو إجراءٌ ظرفيٌّ لا يُحقّقُ نتائجَ طويلةَ الأمد. الدّورُ الحقيقيُّ للقائدِ يكمنُ في التّخطيطِ الاستراتيجيّ، بناءِ الفرقِ، واختيارِ الكفاءاتِ لضمانِ الاستمراريّةِ والتّطوّر.

أصبح الشّائعِ أن نرى قادةً يقومونَ بزياراتٍ ميدانيّةٍ متكرّرةٍ، يلتقونَ بالموظّفينَ، ويوثّقونَ ذلكَ إعلاميًّا. هذا النّهجُ قد يبدو إيجابيًّا في البدايةِ، إذ يُعكسُ اهتمامًا بالتّفاصيلِ ويرفعُ المعنويّات. لكنّ الاستمرارَ فيه عمليًّا مستحيلٌ، لأنّ القائدَ لديهِ مسؤوليّاتٌ واسعةٌ تشملُ وضعَ السّياساتِ، التّفاوضَ، والتّخطيطَ للمستقبل. كما أنّ تأثيرَ هذه الزّياراتِ غالبًا ما يكونُ مؤقّتًا بسببِ ما يُعرفُ بـ تأثيرِ الملاحظةِ (Hawthorne Effect)، حيثُ يبذلُ الموظّفونَ جهدًا إضافيًّا عندَ الشّعورِ بالمراقبةِ، لكنّ الأداءَ يعودُ لطبيعتهِ بعدَ مغادرةِ القائد. الإفراطُ في هذه الزّياراتِ، خاصّةً إذا ارتبطَ بالتّغطيةِ الإعلاميّةِ، قد يُفسَّرُ كاستعراضٍ دعائيٍّ أكثرَ من كونهِ جهدًا إداريًّا حقيقيًّا، ممّا يُضعفُ الثّقةَ في القيادة.

بدلًا من الانشغالِ بالتّفاصيلِ اليوميّةِ، ينبغي أن يُوجّهَ القائدُ تركيزَه نحوَ الرّكائزِ التي تضمنُ النّجاحَ المستدام. فالتّخطيطُ الاستراتيجيُّ يمثّلُ العمودَ الفقريَّ لأيِّ مؤسّسةٍ تسعى إلى التّميّز، لأنّهُ يُتيحُ رسمَ رؤيةٍ واضحةٍ وتحديدَ أولويّاتٍ دقيقة. وكما قالَ مايكل بورتر: جوهرُ الاستراتيجيّةِ هو تحديدُ ما لا تُريدُ أن تفعله. وأكّدَ وينستون تشرشل: مهما كانتِ الاستراتيجيّةُ جميلةً، عليكَ أحيانًا أن تُراجعَ النّتائج. هذهِ الحكمُ تُبرزُ أهمّيّةَ النّظرِ إلى الصّورةِ الكاملةِ، واستشرافِ التّحدّياتِ، ووضعِ خططٍ مرنةٍ قادرةٍ على التّكيّفِ معَ التّحوّلاتِ الاقتصاديّةِ والتّكنولوجيّة.

وفي السّياقِ ذاتهِ، وقبلَ أكثرَ من أربعةَ عشرَ قرنًا، أشارَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنهُ إلى جوهرِ القيادةِ بعقليّةٍ بعيدةِ المدى حينَ قالَ: الرّؤيةُ تتجاوزُ اللّحظةَ لتبنيَ لأجيال. هذهِ العبارةُ تختصرُ فلسفةَ القيادةِ الحقيقيّةِ التي لا تكتفي بإدارةِ الحاضرِ، بل تُؤسّسُ لمستقبلٍ قويٍّ ومستدام.

تُجمّعُ هذهِ المفاهيمُ لتُؤكّدَ أنّ القائدَ الحقيقيَّ لا يغرقُ في التّفاصيلِ اليوميّةِ، بل يرتفعُ إلى مستوى التّخطيطِ العميقِ، المتجسّدِ في رؤيةٍ واضحةٍ، اختيارِ كفاءاتٍ مؤهّلةٍ، وتطبيقِ آليّاتِ متابعةٍ ذكيّةٍ، فيما التّواجدُ الميدانيُّ المتكرّرُ قد يُفهمُ كبديلٍ ناقصٍ عن غيابِ الرّؤيةِ الاستراتيجيّةِ، ممّا يُضعفُ الثّقةَ ويفقدُ دورَ القيادةِ قيمتَهُ الجوهريّة.

القائدُ النّاجحُ ليسَ من يقومُ بكلِّ شيءٍ بنفسهِ، بل من يبني فريقًا قويًّا. وقد أكّدَ جلالةُ الملكِ عبدَ اللهِ الثّاني حفظهُ اللهُ في أوراقهِ النّقاشيّةِ على أهمّيّةِ اختيارِ أصحابِ الكفاءةِ والنّزاهةِ لبناءِ مؤسّساتٍ قويّةٍ، وترسيخِ ثقافةِ التّميّزِ والابتكارِ في الإدارةِ الأردنيّة. هذهِ الرّؤيةُ تُركّزُ على تمكينِ الأفرادِ القادرينَ على التّفكيرِ الاستراتيجيِّ وحلِّ المشكلاتِ بطرقٍ مبتكرة.

بدلًا من التّواجدِ الميدانيِّ اليوميِّ، يمكنُ اعتمادُ آليّاتِ متابعةٍ فعّالةٍ مثلَ تقاريرِ أداءٍ مدعومةٍ بالبياناتِ، اجتماعاتٍ استراتيجيّةٍ دوريّةٍ، وأدواتٍ رقميّةٍ لرصدِ الأداء. هذهِ الأساليبُ تضمنُ الاستمراريّةَ والكفاءةَ دونَ الحاجةِ إلى حضورٍ جسديٍّ دائم.

القائدُ الحقيقيُّ يُوظّفُ التّواصلَ كأداةٍ استراتيجيّةٍ لبناءِ الثّقةِ وتعزيزِ المشاركةِ الفاعلة. هذا النّهجُ يُرسّخُ مفهومَ القيادةِ المستدامةِ التي تقومُ على الشّفافيّةِ والتّخطيطِ العميقِ، لا على الحضورِ الميدانيِّ المتكرّرِ الذي قد يتحوّلُ إلى استعراضٍ فارغ. فالإفراطُ في الزّياراتِ قد يُفسَّرُ كتعويضٍ عن غيابِ الرّؤيةِ، ممّا يُضعفُ المصداقيّةَ ويهزُّ الثّقة. في المقابلِ، فإنّ التّركيزَ على صياغةِ رؤيةٍ واضحةٍ، اختيارِ الكفاءاتِ المؤهّلةِ، وتطبيقِ آليّاتِ متابعةٍ ذكيّةٍ هو السّبيلُ لتحقيقِ تقدّمٍ حقيقيٍّ ومستدامٍ ينعكسُ إيجابًا على المؤسّسةِ والمجتمعِ معًا.

عن الكاتبالقلعة نيوز

أحدث مقالاته

المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962