حين يكون الموقف امتدادًا للشخصية… لا ركوبًا للموجة
.............
القلعة نيوز:
ردود الأفعال المتباينة على موقف أبناء المرحوم عبدالله الضمور لم تكن مفاجئة لمن يعرف الرجل، ولا صادمة لمن يدرك معنى الاتساق بين الفكرة والسلوك، وبين التاريخ الشخصي والموقف العام.
ولا يمكن النظر إلى حالة عبدالله الضمور بمعزل عن السياق الأوسع؛ فهو ليس مجرد فرد، بل حالة تمثل تجربة كركية عامة، تشكلت عبر سردية شعبية متراكمة وامتدت لتصبح جزءًا من السردية الوطنية، بما حملته من أبعاد سياسية واجتماعية ووطنية متعددة. عبدالله الضمور نفسه لم يكن اسمًا عابرًا في الحياة العامة، ولا شخصية ظرفية تُستدعى عند الحاجة، بل كان نموذجًا حيًا لهذه الحالة، شخصية سياسية واجتماعية وفكرية وحزبية ذات حضور واضح ومسار معروف. لم يصنع مواقفه بحثًا عن تصفيق، ولم يبدّل بوصلته تبعًا لاتجاه الريح. لذلك، فإن موقف أبنائه اليوم ليس فعلًا معزولًا أو انفعالًا طارئًا، بل امتداد طبيعي لمنظومة قيم تربّوا عليها ووعي تشكّل في بيتٍ كان فيه الموقف العام جزءًا من الأخلاق، لا سلعة للمزايدة.
موقف أبناء المرحوم عبدالله الضمور بعدم قبول واجب العزاء من السفير الأمريكي ليس تصرفًا عابرًا، بل امتداد طبيعي لمسار القيم والمبادئ التي تربّوا عليها. هذا القرار يعكس وضوح الموقف الوطني والأخلاقي، ويجعل موقفهم متسقًا مع تاريخ الالتزام بالقيم، بعيدًا عن الانفعال اللحظي أو السعي وراء المظهر الإعلامي، علماً أنه لم يكن موقفًا موجه لشخص بقدر ما كان رسالة شعبية وطنية دبلوماسية، تعكس رفضًا للسياسات الأمريكية في المنطقة، لا سيما تجاه غزة والضفة الغربية، بما يحافظ على الهوية الوطنية الأردنية ويتماشى مع المزاج الشعبي الاردني .
يبرز البعض الذين يبحثون عن ركوب الموقف، لا انطلاقًا من قناعة، بل بحثًا عن دور لم يمتلكوه يومًا. أشخاص بلا أثر سياسي حقيقي، ولا حضور اجتماعي مؤثر، يظهرون اليوم وكأنهم جزء من موقف لم يشاركوا في بنائه ولم يدفعوا ثمنه.
وفئة أخرى أكثر براعة في الازدواجية؛ لم تكن متفقة مع فكرة المرحوم عبدالله الضمور، بل على العكس تماما في مواحهته وحائط سد ، وترى خطابها وطنيًا في العلن، بينما مواقفها الحقيقية تحت الطاولة معروفة، واتصالاتها وتقديم الولاء والطاعة ليست خافية وهي الآن تبحث عن طريق النجاة .
الفرق هنا ليس في الجرأة على الكلام، بل في تاريخ الموقف. ليس في رفع الصوت، بل في من دفع كلفة الصمت سابقًا. فالوطنية لا تُقاس بلحظة انفعال، ولا تُمنح بشهادة ذاتية، بل تُبنى عبر مسار طويل من الاتساق، حيث يكون الموقف نتيجة طبيعية لشخصية واضحة، لا محاولة متأخرة للالتحاق بالحدث.
أبناء المرحوم عبدالله الضمور لم "يستثمروا” الموقف، بل جسّدوه. لم يبحثوا عن ذاكرة وطنية، بل ثبّتوا أنفسهم فيها، لأنهم تصرّفوا كما كان سيتصرّف هو، لا كما يقتضي المزاج العام. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: أن يكون الفعل استمرارًا للمعنى، لا قطيعة معه.
الرحمة والمغفرة لأبي ليث، ولكل من جسّدوا تلك التجربة الكركية التي أصبحت جزءًا من السردية الوطنية، ولمن هم أحياء، طول العمر والقوة، فهم حاضرون بيننا، يشكّلون امتدادًا حيًا لتاريخ وذاكرة الوطن...........
د. صالح العرود




