نسرين الطويل
"لا يقرأ من لا يجد كتاباً يلمس وجدانه." - مقولة متداولة. لطالما سيطرت على المشهد الثقافي العربي مقولةٌ جارحة تُلخَّص في: "العرب أمة لا تقرأ". لكن هل هذه هي القصة كاملة؟ بين أرقام مُقلقة قديمة ومبادرات واعدة جديدة، نحن أمام مشهد أكثر تعقيداً وأملاً مما نتصور.
الصورة التقليدية المقلقة: الأرقام التي شكلت الصورة النمطية
تُظهر التقارير صورة قاتمة تشكل الأساس لتلك المقولة الشائعة:
· معدل قراءة منخفض: يقرأ الفرد العربي ما بين كتاب واحد وثلاثة كتب سنوياً في المتوسط، مقارنة بمتوسط عالمي يتجاوز 10 كتب.
· قلة القراء المنتظمين: لا تتجاوز نسبة من يقرؤون بانتظام 6% إلى 8% من السكان.
· تحديات هيكلية عميقة: ترتبط هذه الأرقام بمشاكل مثل ارتفاع نسبة الأمية (تتجاوز 20% في بعض الدول)، وندرة المكتبات العامة، وضعف ثقافة القراءة الترفيهية منذ الصغر.
قراءة نقدية للأرقام: ما الذي تخفيه الإحصاءات؟
قبل الحكم، يجب فهم سياق هذه الأرقام:
· هل نحسب كل أنواع القراءة؟ تهمل بعض الإحصاءات القديمة القراءة الرقمية وقراءة الصحف والمقالات الطويلة، رغم أن أكثر من 60% من المحتوى يُستهلك الآن عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
· عقبات النشر والتوزيع: تعاني صناعة النشر من مشاكل مثل الطباعات المحدودة (500-2000 نسخة) وارتفاع التكاليف، مما يحد من وصول الكتاب للقارئ.
· أولوية اللغات الأجنبية: في سوق العمل التنافسي، تركز أسر كثيرة على تعلم الإنجليزية لأبنائها، مما قد يضعف الارتباط باللغة العربية الأدبية.
مشهد متغير: مؤشرات ومبادرات تعيد كتابة السردية
رغم التحديات، تبرز حركات قوية تُظهر شغفاً بالقراءة:
· مبادرات مؤسسية ضخمة:
· تحدي القراءة العربي: أكبر مشروع عربي، يشارك فيه مليون طالب سنوياً، بتحدي قراءة 50 كتاباً خارج المنهج.
· مؤشر القراءة العربي (2016): دحضت هذه الدراسة الشاملة (عينة: 148 ألف شخص) مقولة "الست دقائق"، ووجدت أن العربي يقرأ 35 ساعة سنوياً في المتوسط.
· ثورة رقمية غيرت القواعد:
· الكتب الإلكترونية والصوتية: تشهد سوق الكتب الإلكترونية نمواً مطرداً، وزاد الإقبال على الكتب الصوتية في المنطقة بنسبة 400% خلال جائحة كورنا.
· منصات عربية رائدة: ظهور منصات مثل "هنداوي" و "أبجد" وفر آلاف العناوين وسجل زيادات هائلة في المستخدمين.
· حراك ثقافي فردي وجماعي:
· يشهد إقبال متجدد على الكلاسيكيات الأدبية (كأعمال نجيب محفوظ والطيب صالح) خاصة في الأزمات.
· عبر كتاب ومفكرون عرب باستمرار عن كون القراءة "ضرورة للوجود والاكتمال الإنساني".
الخلاصة والطريق إلى الأمام
لم تمت القراءة في الوطن العربي، بل هي في مرحلة تحول. المستقبل يتطلب جهداً مركباً:
· إصلاح تعليمي يجعل القراءة للاستمتاع والتفكير النقدي جزءاً أساسياً من المنهج.
· دعم حقيقي لصناعة النشر المحلي لتوفير كتب متنوعة وبأسعار معقولة.
· توظيف ذكي للتكنولوجيا عبر التطبيقات التفاعلية والمكتبات الرقمية.
· بناء بنية تحتية ثقافية تشمل مكتبات عامة جاذبة في كل حي.
القراءة هي جسرنا إلى المستقبل وإلى ذواتنا. النهوض بها مسؤولية جماعية تبدأ بالإيمان بأن "الأمة التي تقرأ" ليست حلماً، بل هوية نستحقها ونسعى إليها.



