خالد الخوالده يكتب قلادة الحسين في دولمة بهجة قراءة سياسية في إهداء ملكي أردوغاني
القلعة نيوز:
قدمت زيارة جلالة الملك عبد الله الثاني إلى تركيا مؤخرًا والتي تميّزت بإهدائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قلادة الحسين بن علي، أعلى وسام مدني أردني داخل قصر دولمة بهجة العثماني، رسالة سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود البروتوكول الرسمي.
هذه الحركة الرمزية لم تكن مجرد إجراء تشريفي بل تحمل دلالات عميقة ترتبط بالتراث التاريخي والسياسة الإقليمية المعاصرة.
يحمل المشهد الرمزي الذي رافق الإهداء ثلاث طبقات متداخلة وأولها القلادة نفسها التي تحمل اسم الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى والرمز المؤسس للشرعية العربية المستقلة خارج الإطار العثماني لتؤكد أن الأردن يمتلك إرثًا تاريخيًا يشكل قاعدة قوية لمواقفه الإقليمية.
ثانيها المكان، قصر دولمة بهجة آخر القصور العثمانية في إسطنبول ومركز السلطة الإمبراطورية سابقًا والذي يرمز إلى الانتقال من الإمبراطورية إلى الدولة القومية الحديثة ما يجعل اختيار هذا المكان لتسليم القلادة ذا دلالة رمزية مزدوجة بين الاحترام للتاريخ واستدعاء الشراكة الرمزية.
أما ثالث الطبقات فهي الشخص المكرَّم، الرئيس أردوغان الذي يبني جزءًا من خطاباته السياسية على استحضار الإرث العثماني ما يجعل هذه اللفتة الأردنية رسالة متقنة تشير إلى الاستعداد للتواصل مع السردية العربية الرسمية.
تأتي هذه الحركة في سياق سياسي إقليمي معقد، يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى مع تصاعد دور الفاعلين الإقليميين ومحاولات لإعادة رسم التحالفات التقليدية، في ظل تراجع القدرة على فرض مسارات حاسمة من القوى الكبرى.
في هذا الإطار يتحرك الأردن بدبلوماسية وقائية تعتمد على الرمزية والتدرج في التأثير قبل اللجوء إلى أي تحرك تصادمي، محافظًا على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك تركيا ومعبرًا عن دوره كفاعل تاريخي يمتلك القدرة على إدارة الرموز السياسية بعناية.
قد تُقرأ هذه الخطوة على أنها إشارة أردنية لتعزيز الشراكات السياسية والاستراتيجية في المنطقة وربما فتح آفاق للتعاون في الملفات الإقليمية الحساسة بما في ذلك القضايا الفلسطينية من دون التصادم مع السياسات التركية الداخلية أو الخارجية.
وفي الوقت نفسه تُعتبر رسالة رمزية واضحة تحدد موقع الأردن ودوره التاريخي في المنطقة مؤكدًا أن امتلاك المعنى الرمزي قد يسبق أحيانًا امتلاك القوة المباشرة وأن السياسة الأردنية تراكمية ودقيقة وتهدف أولاً إلى منع الخسائر قبل البحث عن المكاسب.
قلادة الحسين في دولمة بهجة ليست مجرد وسام يُسلم لرئيس دولة أخرى، بل تمثل إعلانًا صامتًا عن استراتيجية دبلوماسية قائمة على الرمزية والفهم العميق للتاريخ وتضع الأردن في موقع يتيح له التأثير على مسارات التحالفات الإقليمية بشكل غير مباشر مستفيدًا من مكانته التاريخية ومصداقيته السياسية في المنطقة.
وهنا تبدأ حكاية أخرى خاصة في ضوء هذه الإشارات الرمزية المتراكمة حيث يبرز تساؤل أبعد من حدود اللحظة:
هل يمكن أن تكون هذه الحركة مقدمة لإعادة تفكير هادئة في صيغ تعاون أمني أو دفاعي إقليمي تتجاوز الأطر التقليدية وقد تشمل مستقبلًا تقاطعًا أردنيًا _ تركيًا وربما مصريًا على نحو يشبه بعض نماذج التعاون القائمة بين السعودية وباكستان؟
وإذا ما تطوّر هذا المسار ولو جزئيًا فإن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بكيفية قراءة الولايات المتحدة لمثل هذه التحالفات وهل ستتعامل معها كآليات استقرار مكمّلة لدورها أم كمؤشرات على انتقال تدريجي نحو استقلالية إقليمية أوسع في إدارة الأمن والسياسة؟
في كلتا الحالتين يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة تُعاد فيها صياغة التحالفات لا عبر الإعلانات الصاخبة بل من خلال إشارات مدروسة تبدأ بالرمز وقد تنتهي بإعادة تعريف موازين القوة مؤكدة الدور الأردني المحوري في هذا المشهد.




