شريط الأخبار
دعوات لملء “الفراغ الديموغرافي” في الأغوار والتصدي لزحف مستوطني إسرائيل هيئة الإعلام تعمم حول نشر المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة الملك يشارك في اجتماعات الجمعية العامة ويلقي خطابا الأسبوع المقبل عياش: المرحلة تحتاج إلى رجال قرار لا إلى رجال مواقع الملك يغادر أرض الوطن في جولة عمل تشمل فرنسا والتشيك والولايات المتحدة طالبة عمّان الأهلية (كريستل حبشي ) تشارك بلجنة تحكيم جائزة UNIMED 2026 بمهرجان البندقية السينمائي طالب جامعة عمان الأهلية (أمير العموش) يتوّج بطلاً للمملكة في الـ MMA طهبوب تسأل الحكومة عن خطتها لمعالجة ملاحظات "مكافحة الفساد" الحكومة: حزمة مشاريع كبرى بـ10 مليارات دولار خلال 3-4 سنوات وزير الصناعة يعد بفتح أسواق جديدة أمام الصادرات الاردنية مطالب نيابية بالحد من حوادث تسرب غاز الأمونيا في مجمع الفوسفات الصناعي التربية: قرعة للدفعة الثانية من مستفيدي تمليك الأراضي للمعلمين الخميس القبض على شخص حاول التسلل عبر الحدود الشمالية المومني: مواكبة التطورات الرقمية توسّع الوصول إلى الجمهور مؤسسة الضمان الاجتماعي تنشر قائمة خدمات جديدة ستُضاف إلى تطبيقها الهاتفي الجديد خلال الأسبوع القادم* استهداف الأردن إلى متى ؟ عضو جمهوري بمجلس النواب الأمريكي يبدأ إجراءات لعزل وزير الدفاع خزانات المياه المثقوبة ومشاكل الجودة ألف مبروك للزميل حسين الدسوقي بمناسبة ولادة حفيده (حمزة) المشكلة ستبقى مشكلة...إلا أن نبدأ بالحل

الإيرانيون أكبادُ إبلٍ

الإيرانيون أكبادُ إبلٍ
الإيرانيون أكبادُ إبلٍ
بقلم: دكتور يوسف عبيدالله خريسات
في كتبِ التراثِ العربيِّ لا تُطلَقُ الأوصافُ عبثًا، وإنَّما هي تعبيرٌ مُكثَّفٌ عن ملاحظةٍ تاريخيَّةٍ طويلةٍ. وعندما وصفَ بعضُ المؤرِّخين الفرسَ بأنَّهم أكبادُ إبلٍ، لم يكن المقصودُ التهكُّمَ أو الانتقاصَ، بل الإشارةَ إلى قدرةٍ استثنائيَّةٍ على الصبرِ وطولِ الاحتمالِ. فالإبلُ في المخيِّلةِ العربيَّةِ رمزٌ للتَّحمُّلِ في الصحراءِ، والصبرِ على العطشِ، والسيرِ الطويلِ دون انكسارٍ. ومن هنا جاء الوصفُ ليعكسَ طبيعةَ شعبٍ عُرِفَ عبرَ القرونِ بقدرتِه على احتمالِ الضغوطِ والتكيُّفِ مع الشدائدِ.
لقد كان الفرسُ، ولا سيَّما في ظلِّ الإرثِ الساسانيِّ، أصحابَ تقاليدَ راسخةٍ في فكرةِ الدولةِ والمُلْكِ. فالإمبراطوريَّةُ الساسانيَّةُ كانت منظومةً حضاريَّةً ترى في الملكِ رمزًا للهيبةِ والسيادةِ والاستمرارِ. لذلك لم يكن التحوُّلُ الذي جاء مع الفتحِ الإسلاميِّ تحوُّلًا بسيطًا في الوعيِ السياسيِّ الفارسيِّ. فالدخولُ في الإسلامِ لم يكن محلَّ النزاعِ الحقيقيِّ، بقدرِ ما كان السؤالُ الأعمقُ يتعلَّقُ بالموقعِ السياسيِّ والرَّمزيِّ داخل النظامِ الجديدِ الذي تشكَّل في ظلِّ الحضارةِ الإسلاميَّةِ.
إنَّ قراءةَ التاريخِ بعينٍ هادئةٍ تكشفُ أنَّ كثيرًا من التوتُّراتِ التي ظهرت في المراحلِ الأولى لم تكن صراعًا على العقيدةِ، بقدرِ ما كانت صراعًا على الدَّورِ والمكانةِ. فالأممُ التي عاشت قرونًا في ظلِّ إمبراطوريَّاتٍ كبرى لا تتخلَّى بسهولةٍ عن إحساسِها العميقِ بالمجدِ السياسيِّ. ولهذا بقيت في الذاكرةِ الفارسيَّةِ نزعةٌ واضحةٌ إلى استعادةِ الهيبةِ، والبحثِ عن موقعٍ مؤثِّرٍ في موازينِ القوَّةِ.
واليوم، ونحن نعيشُ في زمنٍ تتصاعدُ فيه الصراعاتُ حول إيران، يصبح من الضروريِّ قراءةُ السلوكِ الإيرانيِّ من خلال هذا الإرثِ التاريخيِّ الطويلِ. فهذه الدولةُ تشكَّل وعيُها السياسيُّ عبر قرونٍ من الإمبراطوريَّاتِ، ولا يمكن فهمُها بمعاييرِ اللحظةِ وحدها. إنَّ من أبرزِ سماتِ العقلِ السياسيِّ الإيرانيِّ القدرةَ على الصبرِ، وطولَ النَّفَسِ، والعملَ التراكميَّ الذي قد يبدو بطيئًا في الظاهرِ، لكنَّه عميقٌ في أثرِه.
وفي المقابلِ، كثيرًا ما جرى في الأدبيَّاتِ القديمةِ تشبيهُ الرومِ بصفةٍ مختلفةٍ؛ فهم في المخيالِ التاريخيِّ يميلون إلى الحسمِ السريعِ، والإنجازِ العاجلِ، وضيقِ الصدرِ تجاه الصراعاتِ الطويلةِ. وهذا لا يعني ضعفًا أو قوَّةً، بقدرِ ما يعكسُ اختلافًا في الطبائعِ الحضاريَّةِ بين أممٍ نشأت في بيئاتٍ وتجاربَ تاريخيَّةٍ مختلفةٍ.
إنَّ فهمَ هذه الفوارقِ ضرورةٌ سياسيَّةٌ في زمنِ التحوُّلاتِ الكبرى. فالحروبُ لا تُقرأُ فقط عبر الأحداثِ المباشرةِ، بل عبر فهمِ النفسِ التاريخيَّةِ للأممِ. ومن يقرأ إيران بعيونِ اللحظةِ قد يخطئ التقديرَ، أمَّا من يقرأها بعيونِ التاريخِ فسيدركُ أنَّ الصبرَ عندها جزءٌ من تكوينِها العميقِ.
ويبقى الدرسُ الأهمُّ أنَّ السياسةَ، مثلَ التاريخِ، لا تتحرَّكُ بسرعةِ الخطابِ، وإنَّما بإيقاعٍ أبطأَ وأعمقَ. وإيرانُ، كما وصفها القدماءُ، قد تكون حقًّا من أكبادِ الإبلِ؛ تمضي طويلًا في الصحراءِ بصبرٍ ظاهرٍ وسكونٍ خادعٍ، حتى تبلغَ مقصدَها أو تغيِّرَ الطريقَ دون أن تبدو متعبةً.