محمد خالد الزعبي
يوم تختلط طماطة الحق بصخب الدعاية، ويتحول الفضاء الرقمي إلى زواريب مزدحمة بمن يتقن فنون الاستعرض والبرستيج يتكشف بوضوح ذلك الشرخ العريض بين فريقين فريق يقبض على جمر الانتماء بصمت ونيّة صافية وفريق متربص يطامر مع كل موجة ليصنع من شعارات البلد بضاعة موسمية ترتفع أسعارها بحسب حجم "اللايكات" وعدد المشاهدات .
إن الوطنية الحقيقية لا تلبس ثوب العرض ولا ترتدي مساحيق التجميل الإعلامية لتلائم مقاسات الترند إنها تشبه تماماً ذلك الجذر العميق الممتد في باطن الأرض ثابت راسخ لا تلويحه ريح عاتية ولا يلتفت لتصفيق العابرين الوطني الحق يشبه النخلة اللي تثمر بصمت وتطعم الناس خيرها، بينما يقف "راكب الموجة" كعشب شيح طارئ، ينمو على السطح بلا جذور، تذروه العواصف كيفما شاءت ولا يبقي خلفه غير الغبار .
أما عن ملامح هذا التناقض الصارخ فهي تبين في حقيقة الفعل والغاية فالوطني الحقيقي ينظر لتراب بلده كأمانة وعقيدة بقاء تفرض عليه الشغل ليل نهار تلاقيه بالميدان كالسراج اللي يضيء بلا ضجيج لا يلتفت لمن يمدحه ولا يكترث بمن يخذله لأن بوصلته واحدة ما تنحرف مصلحة أهله وناسه قبل كل شيء وفي المقابل، يمثل "راكب الموجة" حالة من الاستنزاف المعنوي كالممثل البارع الذي ينتظر إشارة الكاميرا ليبكي زوراَ، وما إن ينتهي التصوير حتى يخلع قناع المسكنة ويبحث عن مكسبه الشخصي بالنسبة له، المناسبات الكبرى والوجع العام ليسوا سوى "موسم حصاد" لاستعراض الذات والمزايدة على تعب الصامتين .
وحين تختبر المواقف الصعبة، يبرز الحكي الصح فالوطني يتقدم الصفوف حين تخلو، بينما يتوارى متسلق الشعارات خلف الكواليس ليعود محمولاً على أكتاف الهياط متى هدأت العواصف واستوت المائدة الأوطان الكبرى ما تنبنى بالهتافات الفارغة ولا بالخطابات المعلبه بل تشاد بسواعد أولئك اللي أدركوا مبكراً أن حب الوطن فعل وفداء، مو حكاية تُروى على منابر التباهي والرياء .




