خميرة
الوطن
المحامي
معن عبد اللطيف العواملة
من المسلمات العالمية ان الطبقة
الوسطى في أي مجتمع هي العمود الفقري للاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي، والسلم
المجتمعي. وفي الأردن، لطالما كانت هذه الطبقة، المكونة من الموظفين المدنيين
والعسكريين و جل كادر القطاع الخاص، هي خميرة الوطن التي تحمي قيمه و اولوياته، و
هي كذلك رافعة تماسكه المجتمعي.
و القراءة المتأنية للمشهدين
الاقتصادي والاجتماعي عبر العقود القليلة الماضية تشير الى ان هذه الطبقة تتأكل و
بشكل متسارع. و هنا يقول الاقتصايون ان نجاحاتنا الملموسة في مؤشرات الاقتصاد
الكلي لم تترجم إلى واقع إيجابي في الاقتصاد الجزئي الذي يمس حياة المواطن اليومية
حيث ترتفع البطالة، و تستمر هجرة الكفاءات، و تزداد تكاليف التعليم و الصحة، و
تتراكم الديون الشخصية و العائلية. اما الرواتب بشكل عام، فهي لا تتماشى مع التضخم،
و ارتفاع الاسعار، و لا تؤمن جودة الحياة المرغوبة.
نحتاج الى اعادة التوازن للاقتصاد
الاردني من زاوية مجتمعية تتعدى المؤشرات التقليدية. إن إدراك حساسية وضع الطبقة
الوسطى وفهم معاناتها الحقيقية ليس مجرد تمرين نظري او فكري، بل هو ضرورة سياسية
واجتماعية قصوى. إن خميرة الوطن تستحق سياسات اقتصادية تشجعها على البقاء
والإنتاج، لا ضرائب تحفزها لتجهيز حقائب السفر او تدفعها نحو حافة االكفاف.
و من الضروري ايضا مراجعة النهج
الضريبي لتوزيع الاعباء بشكل عادل و محفز. و كذلك لا بد من استعادة دور الدولة في
الخدمات الأساسية و على رأسها الصحة و التعليم. و من الاولويات الاضافية تحفيز
الاستثمار المحلي والتشغيل حتى يبدع الاردنيون في المساهمه المعنوية و الابتكارية
و المادية في بلدهم.
و من متطلبات المرحلة ايضا تبرز الحاجة
الى مراجعة فلسفة الإصلاح الاقتصادي ككل لاعادة تحديد المؤشرات الحقيقية الرئيسية
التي لا تكتفي بتحسين الاقتصاد الكلي من مديونية وعجز في الموازنة، بل تنظر إلى
انعكاساتها على الاقتصاد الجزئي ومستوى دخل الفرد و جودة حياته.
و من اولى الاولويات الاساسية الحد من
هجرة الكفاءات قبل فوات الاوان حيث تأخرنا كثيرا في هذا المجال. علينا اجتراح بيئة
محفزة للشباب لمنع "اغترابهم" داخل الوطن اولا، و هو ما يدفعهم نحو
الهجرة ثانيا، و ثالثا، و رابعا. نحتاج ان تبقى الخميرة في الوطن لتعزيز الأمن
النفسي و العائلي و الاجتماعي. أن الحفاط على جودة حياة الطبقة الوسطى هي حماية
للاستقرار والأمن المجتمعي الشامل.




