شريط الأخبار
العليمي يدعو الشعب اليمني للنفير واستعادة بسط السيادة وصولًأ إلى صنعاء إحباط محاولة إدخال هرمونات محظورة التداول عبر حدود جابر اجتماع أردني سوري في دمشق لبحث المشاريع الاستراتيجية ضبط 188 كغم لحوم منتهية الصلاحية في الكرك باكستان: سنناقش مع السعودية وتركيا دعم الرياض بموجب اتفاقية الدفاع دول غادرت وفودها قاعة الأمم المتحدة لحظة خطاب نتنياهو (أسماء) الصفدي يؤكد ضرورة حماية الأونروا من محاولات الاغتيال السياسي التي تستهدفها وفد وزاري أردني يختتم جولة في ألمانيا الأمن العام يُشارك بتشييع جثمان العريف يعقوب فايز يعقوب شرف *المسرحية السنوية والاخراج سئي* ولد الهدى... الحلقة السابعة .. "لست شامتًا" شادي فريج يعلق على حبس حسن الرياطي ويلمح لانفراجة تفاصيل الاتفاق المرحلي بين طهران وواشنطن .. وعقد قد تعرقله الاحتلال: مقتل جنديين إسرائيليين بانفجار مسيرة للجيش شمالي غزة الأردن يشارك بالمؤتمر الإقليمي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الـ12 فتح باب المناقلات الداخلية والخارجية لطلبة المكرمة الملكية السامية البنك الدولي: صرف 100 مليون دولار لبرنامج إصلاح القطاع الصحي في الأردن بزشكيان يكرر: التقيت خامنئي 7 ساعات ولهذا لم يظهر علنا زيلينسكي: دول بالشرق الأوسط تشارك في محادثات البحر الأسود كوريا الجنوبية تتهم زيلينسكي بخرق اتفاق السرية بشأن أسرى الحرب

من يكتب ليحيا .. ومن يكتب ليشهد

من يكتب ليحيا .. ومن يكتب ليشهد
من يكتب ليحيا .. ومن يكتب ليشهد

نادية ابراهيم القيسي
عضو اتحاد الكتاب والأدباء الاردنيين

أن تكون إعلاميًا في زمن أصبح فيه الحرف رهينة، والتعبير جريمة، والحقيقة مكبلةً بالتفاف ألف سوط وسوط يجلد فيهما الناشر قبل الناطق، فإنك غدوت كما القابض على الجمر في زمن ساد فيه تغييب الضمير الحي واستباحة الفكر الرشيد نحو سيكولوجية القطيع، بقوانين احتكارية وأخرى احترازية، وصراعات عشوائية، انبثقت من تطور العوالم الافتراضية بكل ما تشملها من غوغائية، لتغدو الحقيقة المجردة أخطر سلاح بمنظور استبدادي، وأضعف الإيمان بمنظور عقائدي.

إن الإعلام الحقيقي ليس بناقل أخبار، أو وسيلة ترويج أو ترف باذخ في حاضرٍ كادح، بل هو نضال بالقول حين يصبح سرد الصدق باهظ الثمن، ويكون الصمت عنه خيرًا من ألف ندم. فكل حرف يُكتب يحمل ثقل الواقع، وكل كلمة تُنطق تختبر الصمود في وجه الطغيان، وكل صورة تُلتقط تكشف زاوية من ظلام دامس لا يراه إلا من يمتلك الشجاعة ليقرأ ما بين السطور. لذا فإن الإعلام الواعي مستهدف بمجمله عالميًا من زناديق الكيانات العظمى بلا تفريق ما بين جنس أو عرق أو دين أو شعوب، لطمس كل ما يُظهر خبايا الظلم والبطش، ليكون التنكيل بأشكاله مما قد يصل إلى حد الاغتيال أحيانًا عقوبة للمهنية الاحترافية، وأبلغ دليل على ذلك استشهاد مئات الإعلاميين والصحفيين في شتى أنحاء العالم أبان الحروب وخارجها.

إن كل صحيفة، إذاعة، منصة، هي ميدان للأمانة والنزاهة، فالساحة الإعلامية اختبار أخلاقي للضمير الإنساني. بكلمة حرة نقية، مضاءة بنور الإخلاص واليقين، تتجاوز القيود وتتخطى المدى لآفاق العلو، وترسّخ بوضوح الخط الفاصل ما بين الوظيفة والرسالة… بين من يكتب ليحيا، ومن يكتب ليشهد. فتصبح الرواية أبدية تحكي واقعًا مفجعًا أمام الخرس القاتل لمجتمع دولي يراقب، يحنث بالوعود، يتنكر للوقائع، ويختار الصمت القابع في محراب الانحياز الغاشم.

وفي قلب هذا المشهد، يقف الإعلام العالمي بوصفه فاعلًا لا مراقبًا، وشريكًا بالصمت أو بالانتقاء حين تُرتكب الجرائم تحت عباءة القوة والنفوذ. فليست كل الجرائم سواءً في ميزان التغطية، ولا كل الضحايا يُمنحون الحق ذاته في الظهور أو التعاطف. ثمة وقائع تُدفن عمدًا تحت طبقات كثيفة من الإلهاء، وملفات تُطوى لا لأنها أُغلقت قانونيًا، بل لأنها باتت محرجة أخلاقيًا لمن يمتلك مفاتيح السرد والقرار. في هذا السياق، لا يغيب التساؤل حول الكيفية التي تُدار بها أجندات الأخبار العالمية، وكيف يُعاد تعريف "الأولوية” بما يخدم منظومة مصالح متشابكة، تجعل من بعض الحقائق عبئًا يجب التخفف منه، لا مسؤولية يجب كشفها.

غير أن هذا التعتيم -مهما طال- لم يكن مطلقًا. إذ أثبتت الصحافة الاستقصائية، عبر تاريخها الحديث، أنها القوّة القادرة على إحداث الشقوق في الجدران المصمتة، وأنها الصوت الذي لا يرضخ بسهولة لسطوة المال أو النفوذ أو الحصانة غير المعلنة. فبجهد تراكمي ما أعياه الصبر، وبالاعتماد على الوثائق والشهادات والربط المنهجي، نجحت أقلام جريئة في كشف شبكات معقّدة من الانتهاكات والاستغلال، كانت تُدار في الظل، وتُحاط بحماية سياسية وإعلامية كثيفة. هنا يتجلى الفارق الجوهري بين إعلام يكتفي بإعادة تدوير الرواية الرسمية، وصحافة ترى في البحث عن الحقيقة واجبًا أخلاقيًا لا يسقط بالتقادم.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على كثرة المنصات، بل على شجاعة المحتوى ونزاهة المنهج. فحين تتراجع القوى الإعلامية عن دورها الرقابي، يتحول السكوت إلى تواطؤ، وحين تنهض الصحافة الاستقصائية، ولو بأدوات محدودة، تستعيد الكلمة قدرتها على الإدانة، وتفرض على العالم أن ينظر، ولو متأخرًا، إلى ما كان يُراد له أن يبقى طيّ الكتمان كما في أوج البساتين العالمية الإجرامية المستترة في جزر نائية مترفة.

الإعلام الحر أن تبقى الحقيقة كما هي، واضحةً جليّةً بلا تزييف أو تنقيحٍ انتقائي، تعطي صوتًا لمن لا صوت له، ومنبرًا لكل من يجرؤ على قول الحق، ومساحةً للذين يختارون مواجهة النوائب بدل الانصياع لضغوط المحن؛ فتروي الوقائع كما يجب أن تُروى، وتبقى الشهادات الإنسانية حيّةً، سردية مُوثقة عبر التاريخ، تجربةٌ مستمرة، ودعوةٌ للتفكير، وفضاءٌ للتغيير بالالتزام الواعي بالنزاهة والشفافية نحو المساءلة وإرساء العدالة.