السردية الأردنية: من جند التاريخ إلى دولة الوثيقة ورؤية المستقبل
القلعة نيوز:
في عالم اليوم، حيث تُخاض المعارك بالكلمة، والصورة، والمعلومة، يصبح الحفاظ على الهوية الوطنية وترسيخ السردية الوطنية أداة استراتيجية لحماية السيادة واستمرار الدولة. الأردن ليس مجرد اسم على الخارطة، بل امتداد حضاري عميق، يحمل إرثًا تاريخيًا وجغرافيًا واجتماعيًا متجذرًا، بدءًا من العصور القديمة، مرورًا بفترة جند الأردن في كتب التراث، ووصولًا إلى الدولة الحديثة القائمة على الاستقرار والتدرّج، لا على الفوضى أو الانقطاع عن التاريخ.
1. الجذور التاريخية والسياسية
الأردن لم يكن وليد اللحظة؛ فالأرض التي يحتلها اليوم كانت مركزًا لحضارات متعاقبة: من الأنباط في البتراء، إلى الرومان في مدائن صالح، مرورًا بالدولة الإسلامية المبكرة والخلافة العباسية، وصولًا إلى العهد العثماني. هذه المعالم التاريخية لم تكن مجرد مواقع أثرية، بل شهادات على استمرارية الحضارة، والقدرة على التكيف، والحفاظ على الهوية.
مع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921، لم يكن الهدف إعادة تسمية منطقة، بل إعادة تثبيت امتداد حضاري وجغرافي تحت مظلة الدولة الحديثة، وبناء كيان قادر على مواجهة تحديات القرن العشرين في ظل البيئة الإقليمية المضطربة. ومع إعلان المملكة الأردنية الهاشمية، أصبح الأردن مزيجًا بين الإرث التاريخي والدولة الحديثة القائمة على مؤسسات قوية، واستقرار سياسي، ونمو اجتماعي متدرّج، بعيدًا عن القطيعة أو التجارب الفوضوية التي عانت منها بعض دول المنطقة.
2. التحولات في عصر الرقمنة والمعرفة المفتوحة
اليوم، تغيرت طبيعة المعركة على الرواية الوطنية. المعلومة غير الموثقة قد تتحول بسرعة إلى "حقيقة رقمية”، والصورة المجتزأة قد تشوّه الوعي الجماعي، ما يجعل من حماية الهوية الوطنية تحديًا استراتيجيًا جديدًا. لهذا، أصبح الانتقال من دولة الذاكرة إلى دولة الوثيقة ضرورة ملحّة.
محاور هذا الانتقال تشمل:
•رقمنة الأرشيف الوطني: تحويل الوثائق التاريخية والسياسية والاجتماعية إلى أرشيف رقمي شامل، متاح للباحثين والجمهور، بما يعزز من الشفافية ويثبت الحقائق التاريخية.
•توثيق شهادات صانعي القرار: تسجيل تجارب رجال الدولة وصانعي التحولات المفصلية في الأردن، لتكون مادة تعليمية وتحليلية للأجيال الجديدة.
•إنتاج محتوى معرفي وإعلامي قائم على الأدلة: نشر معلومات دقيقة وموثوقة، ترتكز على الوثائق والبيانات، بعيدًا عن الانطباعات والشائعات، لتعزيز وعي المجتمع الوطني.
•بناء وعي مجتمعي: تعليم الأجيال أهمية حماية الوطن من خلال حماية قصته، وفهم أن الهوية الوطنية ليست مجرد شعارات، بل خبرة تاريخية متراكمة.
3. التعليم والتكنولوجيا: ركيزتان للمستقبل
الأردن اليوم أمام فرصة تاريخية لاستثمار التعليم والتكنولوجيا كركيزتين لتطوير الدولة الحديثة:
•التعليم: تطوير المناهج الوطنية لتشمل تاريخ الأردن الحديث، الحضارات السابقة، ومهارات القرن الحادي والعشرين، مع التركيز على البحث العلمي، والابتكار، والتفكير النقدي.
•التكنولوجيا: استثمار الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والتحول الرقمي للمؤسسات الحكومية، بما يسهّل الوصول إلى المعلومات، ويعزز من كفاءة الإدارة، ويجعل من الدولة الأردنية نموذجًا في الشفافية والمعرفة المفتوحة.
4. السياسة الخارجية والاستقرار الإقليمي
الأردن، بموقعه الجغرافي الاستراتيجي، لعب دائمًا دورًا محوريًا في تحقيق الاستقرار الإقليمي والدبلوماسية الوسطية. السردية الوطنية القوية تمنحه القدرة على تحويل التجربة الداخلية إلى أداة دبلوماسية، تعكس صورة دولة متماسكة، تعرف جذورها، وتستند إلى مؤسسات قوية، وتتمتع بالشرعية والوعي الوطني.
5. الثقافة الرقمية والوعي المعاصر
في عصر المعلومات، أصبح من الضروري أن يتحول المواطن الأردني إلى فاعل رقمي واعٍ، قادر على التمييز بين الحقيقة والشائعة، ومطلّع على تاريخ بلاده وأسسها القانونية والسياسية والاجتماعية. الثقافة الرقمية ليست مجرد مهارة تقنية، بل أداة لحماية الهوية وتعزيز الانتماء الوطني.
6. الأردن: تجربة الاعتدال والاستمرارية
الأردن أثبت عبر قرن من الزمن أن قوته لا تُقاس بالموارد فقط، بل بقدرة مؤسساته على الحفاظ على الشرعية، والاستقرار، والتوازن الداخلي. التحول من جند التاريخ إلى دولة الوثيقة هو استمرار لهذه التجربة الاستراتيجية: تحويل التاريخ إلى معرفة علمية، والتجربة إلى مادة قابلة للتحليل والدراسة، بلغة العصر: البيانات، والأرشفة، والمعرفة المفتوحة.
هذه الرؤية تجعل من الأردن دولة تعرف نفسها، تكتب قصتها بيدها، وتُسلمها للأجيال القادمة، كما كانت دائمًا: تجربة قائمة على الاعتدال، والوعي، والاستمرارية، ومرتكزة على رصيد تاريخي وحضاري عميق.
7. رؤية شاملة للمستقبل
في العقد القادم، يمكن للأردن أن يكون نموذجًا عالميًا لدولة تجمع بين الهوية التاريخية، والتحول الرقمي، والاستقرار السياسي، والتعليم الحديث، والثقافة الرقمية، بما يعزز من قوة الدولة داخليًا، ومصداقيتها إقليميًا ودوليًا. هذه هي السردية الأردنية الجديدة: من جند التاريخ… إلى دولة الوثيقة… وإلى دولة المستقبل المعرفة الرقمية



