كل زيادة بنسبة 1% في معدل البطالة ترتبط بزيادة آليّة قدرها 995 جريمة
مخدرات و1100 جريمة إلكترونية سنويا: مفارقة
الجريمة الأردنية
القلعة نيوز:
تناولت دراسة الدكتورة رشا أحمد الركيبات باحثة
علوم وسياسات نظام الأرض (2025) "إطار تفكير منظومي لتقييم وتعزيز تقدم
الأردن نحو الهدف 16.1 من أهداف التنمية المستدامة"، ظاهرة أمنية
واجتماعية معقدة تُعرف بـ "مفارقة الجريمة الأردنية". يبتعد البحث عن
التحليلات الأمنية السطحية ليقدم تشخيصاً هيكلياً يربط بين الضغوط الاقتصادية
العنيفة وتحول أنماط الجريمة، محذراً من أن الاكتفاء بالحلول الأمنية التقليدية
يساهم في "إزاحة" الجريمة بدلاً من اقتلاعها.
تمثلت مخرجات هذا البحث:
1. مفارقة الجريمة الأردنية: "تحول النظام
الإجرامي"
تستعرض الدراسة أرقاماً تعكس تغيراً جذرياً في
طبيعة التهديد الأمني خلال العقد الأخير (2013-2023):
- انحسار
الجريمة التقليدية: سجلت الجرائم الواقعة على الأشخاص انخفاضاً بنسبة 31.73%،
والجرائم الواقعة على الأموال بنسبة 23.04%.
- انفجار
الجريمة الحديثة: في المقابل، قفزت جرائم المخدرات بنسبة 275.53%، بينما سجلت
الجرائم الإلكترونية زيادة فلكية بلغت 1,114.17%.
- التفسير
العلمي: تخلص الدراسة إلى وقوع "إزاحة إجرامية" (Crime
Displacement)؛ إذ انتقل المجرمون من الأنشطة المكشوفة
والخطيرة أمنياً إلى جرائم عابرة للحدود ورقمية توفر عائداً أعلى ومخاطرة أقل.
2. محرك الضغط السوسيو-اقتصادي: "البطالة
كوقود للجريمة"
تثبت الدراسة بالأدلة الإحصائية أن البطالة هي
المحرك الأساسي لهذه التحولات، خاصة مع وصول معدلاتها لـ 22% عامة و46% بين
الشباب:
- الارتباط
الطردي: كل زيادة بنسبة 1% في معدل البطالة ترتبط بزيادة آليّة قدرها 995 جريمة
مخدرات و1100 جريمة إلكترونية سنوياً.
- نظرية
الضغط (Strain Theory): تؤدي
البطالة لانسداد طرق الكسب المشروع، مما يدفع الأفراد لـ "الابتكار
الإجرامي" لتأمين الدخل.
- مفارقة
العنف: المثير للدهشة إحصائياً هو أن زيادة البطالة بنسبة 1% ترتبط بانخفاض 56
جريمة واقعة على الأشخاص، مما يؤكد أن الضغط الاقتصادي يوجه طاقة الجريمة نحو
"التكسب غير المشروع" بدلاً من العنف المباشر غير الهادف.
3. الأسرة كدرع أمني: "أثر التماسك
الاجتماعي"
تطرح الدراسة أرقاماً دقيقة حول الدور الوقائي
للأسرة في منع الجريمة، وكيف تُقوّض البطالة هذا الدرع:
- قوة
التحصين: أثبتت النمذجة أن زيادة 100 أسرة مستقرة في المجتمع كفيلة بمنع وقوع 2 جريمة
مخدرات و200 جريمة إلكترونية.
- تجريف
الأسر: في المقابل، كشفت النمذجة أن كل زيادة بنسبة 1% في معدل البطالة تؤدي إلى
منع أو تدمير نشأة 43,930 أسرة، مما يعني تجريف خط الدفاع الأول للمجتمع.
4. التآزر الإجرامي: "رابطة المخدرات والفضاء
الرقمي"
كشفت الدراسة عن "تزاوج تشغيلي" مرعب بين
عالمي السموم والرقمنة:
- العلاقة
التبادلية: كل زيادة بمقدار 10 جرائم مخدرات تتسبب في زيادة 9 جرائم إلكترونية.
- المنظومة
الرقمية للمخدرات: تستخدم شبكات التهريب التكنولوجيا لتنسيق العمليات وغسيل
الأموال، مما يجعل الجريمتين وجهين لعملة واحدة في الاقتصاد الإجرامي الحديث.
5. التشخيص المنظومي: فخ "إزاحة العبء"
تنتقد الدراسة الاعتماد على الحلول الأمنية القمعية
وحدها، واصفة إياها بـ "الحلول العرضية":
- حلقة
"قمع الأعراض": التدخل الأمني المكثف ينجح في خفض الجرائم التقليدية،
مما يعطي شعوراً بالنجاح، لكن يجب ان لا يغفل "الحل الجذري" (علاج
البطالة).
- تفاقم
الأزمة: إغفال الجذور الاقتصادية يسمح بنمو "حلقة تعزيز إجرامية" (R1) تجعل الجرائم الحديثة (المخدرات) أكثر شراسة وتفتك بالنسيج
الأسري، مما يفسر حدوث جرائم قتل وحشية داخل الأسرة.
الخلاصة والتوصيات (الاستشراف المستقبلي)
تخلص الدراسة إلى أن تحقيق الأمن المستدام في
الأردن ليس مهمة أمنية فحسب، بل هو قرار سيادي واقتصادي. وتوصي بضرورة:
- إعادة
تعريف التوظيف: اعتبار توظيف الشباب "أولوية أمن قومي"؛ إذ أن خفض
البطالة بنسبة 2% يمنع وقوع 1,990 قضية مخدرات و2,200 جريمة إلكترونية سنوياً.
- سد
الفجوة الرقمية والاجتماعية: الاستثمار في مراكز الدفاع السيبراني وأمن الحدود،
بالتوازي مع برامج "مرونة اجتماعية" لحماية الأسر من التفكك الناتج عن
الإدمان.
- إصلاح
الحوكمة: مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 لضمان عدم تآكل الثقة
العامة، لأن فقدان الثقة هو الوقود الحقيقي لنمو الشبكات الإجرامية.
هذا البحث هو بمثابة "جرس إنذار" لصناع
القرار بأن الملاحقات الأمنية لن يحل الأزمة ما لم يقترن بـ "تمكين
اقتصادي" يحمي الأسرة ويصون كرامة الشباب.




