*في ظل احتفالات المملكة بعيد الاستقلال… قرارات الحكومة الاقتصادية الرعناء تُجهز على ما تبقى من استقلالية المواطن وتتجه بعكس الرؤية الملكية*
*مقدمة: احتفال بالاستقلال… وواقع بلا استقلالية*
بينما تحتفل المملكة الأردنية الهاشمية بعيد الاستقلال وعلى الأبواب عيد الجيش والوطن، يأتي المواطن الأردني ليكتشف أن استقلاله الاقتصادي والمعيشي بات وهماً.
جلالة الملك في كل قراراته وخطاباته يقولها صراحة: همّي راحة المواطن، حياة المواطن، استقرار المواطن.
لكن السؤال الذي يطرحه الناس في الشارع اليوم: لماذا الحكومة تتجه عكس اتجاه الملك؟ لماذا قرارات الملك مع الشعب، وقرارات الحكومة ضد المواطن وضد الشعب؟
1. أسطوانة الغاز البلاستيكية: نموذج للقرار الرعِن
أحدث مثال على هذا النهج هو السماح بطرح أسطوانات الغاز المركبة "البلاستيكية" في السوق.
رسمياً: السعر "قريب من سعر الحديدية" 42 ديناراً، والاقتناء اختياري.
واقعياً: الناس تسمع أرقاماً تصل 60 ديناراً، والمواطن الذي يشتري الحديدية بـ42 ديناراً ويئن من الفقر المدقع، يجد نفسه أمام خيارين: إما أن يدفع ما لا يملك، أو أن يبقى على القديم وهو ينتظر اليوم الذي يُلغى فيه.
والسؤال المنطقي الذي لم يجبه أحد: لماذا لم تأخذ الدولة الأسطوانات الحديدية من المواطن، تحتسب قيمتها خردة، ويُدفع فقط فرق السعر؟
لماذا يُحمل المواطن كلفة التحديث كاملة، بينما لديه 5 أو 6 أسطوانات في بيته؟ هذا يعني 200-300 دينار دفعة واحدة، أي أكثر من نصف راتبه.
2. سياسات عامة تُدار بعقلية الجباية لا الخدمة
قصة الأسطوانة ليست حالة معزولة. هي حلقة في سلسلة طويلة:
*الهيئات المستقلة*: تلتهم 2.5 مليار دينار سنوياً بلا رقابة فاعلة، بلا معايير أداء، بلا محاسبة. مال عام يُصرف وكأنه ملك خاص.
*ديوان المحاسبة*: تقارير سنوية تفضح مخالفات بالملايين، عقود بالتراضي، وظائف وهمية، تجاوزات بالوزارات. والنتيجة صفر محاسبة.
*الضمان الاجتماعي*: تحول من شبكة أمان للعمال إلى بنك للحكومة تستدين منه وتستثمر منه بأموال العمال أنفسهم.
*مجلس النواب*: من سلطة رقابية وتشريعية إلى مكتب خدمات فردية. بدل أن يحاسب على 2.5 مليار هدر، يلاحق معاملة أو تعيين.
النتيجة: الحكومة تخدم فئة 50 عائلة في الأردن فقط، وتذهب لخدمة هذه الفئة على حساب الشعب الأردني كامل.
3. 95% تحت رحمة 5%
هذه هي الحقيقة التي لا تُقال في الاحتفالات: 95% من الشعب الأردني يعيش تحت رحمة 5% يتحكمون باقتصاد البلد، بماله، بخيراته، بشعور الناس وحياتهم.
الحكومة تعلن أن خط الفقر 600-650 دينار، والواقع يقول إن 90% من الأردنيين رواتبهم تحت 500 دينار.
أي أن السياسة تُبنى على أرقام افتراضية، وتُنفّذ على شعب حي يئن.
في هذا الواقع، أي قرار جديد يُقرأ كاعتداء، لأن المواطن لا يملك هامش أمان. هو يمشي على حافة الهاوية، وأنت تطلب منه أن يشتري "تحديثاً" لا يقدر عليه.
4. الحل ليس إلغاء التحديث… بل إصلاح طريقة التفكير
التحديث مطلوب، لكن التحديث بدون عدالة اجتماعية هو ظلم مقنّن. المطلوب:
1. *دراسة أثر اجتماعي إلزامية* قبل أي قرار يرفع الكلفة على المواطن.
2. *آلية استبدال عادلة*: الدولة تأخذ القديم وتحسب قيمته، والمواطن يدفع الفرق فقط.
3. *تثبيت الأسعار قانونياً* ومنع الاستغلال من الموزعين.
4. *ربط أي تحديث بتخفيض كلفة* في مكان آخر، حتى يشعر المواطن أنه شريك، لا ضحية.
خاتمة: الاستقلال الحقي يبدأ من جيب المواطن
لا معنى للاحتفال بالاستقلال السياسي إذا كان المواطن غير مستقل اقتصادياً.
لا معنى لعيد الجيش إذا كان الجندي نفسه يعود لبيته ليواجه فواتير لا يقدر عليها.
السياسة ليست أرقاماً وجداول. السياسة ناس. والاقتصاد القوي لا يُبنى على الجباية والتحديث القسري، بل على الثقة.
والثقة لا تُشترى بخطاب احتفالي، بل بقرار يشعر المواطن أنه مُحترم فيه قبل أن يُستنزف.
إذا استمرت الحكومة بنفس العقلية، فستتحول كل مناسبة وطنية إلى تذكير مؤلم: نحن نحتفل باستقلال دولة، بينما المواطن ما زال يبحث عن استقلاله.
علي فريحات




