القلعة نيوز:
بقلم الكاتب نضال انور المجالي.
في قاموس رجالات الدولة الحقيقيين، لا يُعد "الكرسي" غايةً تدرك، بل هو أمانةٌ تُحمل، ومحطةٌ للعبور نحو خدمة الوطن. غير أن الاختبار الحقيقي لمعدن الرجال لا يبدأ عند الجلوس على سدة المسؤولية، بل يتجلى بوضوحٍ ساطع لحظة مغادرتها. فثمة فرق شاسع بين "عطاء الوظيفة" المقيد بالصلاحيات، وبين "عطاء الانتماء" المطلق الذي لا يحده منصب ولا ينهيه تقاعد.
ثقافة "المسؤول" لا "الموظف"
حين يتولى القائد منصباً، يكون عطاؤه جزءاً من واجبات التكليف؛ هو مطالبٌ بالإنجاز بحكم القانون والقسم. لكن التحدي الأكبر يكمن في "اليوم التالي" لمغادرة المكتب. هل تنطفئ شعلة الحماس؟ هل ينسحب المرء إلى زوايا العتب أو الصمت؟
إن الفرق بين العطائين هو الفرق بين الموظف الذي تنتهي علاقته بالوطن بانتهاء "بطاقة العمل"، وبين رجل الدولة الذي يرى في خروجه من المنصب فرصةً لخدمة وطنه من ميادين أرحب، متسلحاً بخبرته، وحكمته، وولائه الذي لا يتزعزع.
مبادرة "عوض خليفات": رسالة في توقيت استراتيجي
تأتي المبادرة الوطنية التي قادها معالي الدكتور عوض خليفات، لتضع النقاط على الحروف في مرحلة تتطلب أقصى درجات الوعي والتماسك. لم تكن هذه المبادرة مجرد اجتماع عابر، بل هي تجسيد حي لـ "العطاء بعد الكرسي". هي رسالة تقول إن "الرواد لا يكذبون أهلهم"، وأن رجالات الوطن هم صمام الأمان وجدار الصد الأول في الدفاع عن الثوابت.
إن الالتفاف حول القيادة الهاشمية الحكيمة، وتعزيز الوحدة الوطنية، هما الركيزتان اللتان قام عليهما الأردن واستمر بهما قوياً عزيزاً. وما قامت به هذه القامة الوطنية يمثل نموذجاً يحتذى في كيفية تسخير الرصيد السياسي والاجتماعي لخدمة الدولة، بعيداً عن بريق الألقاب الرسمية.
القيم التي نحتاجها اليوم
إننا في ظلال قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وسمو ولي عهده الأمين، أحوج ما نكون إلى تعميم هذه الروح؛ روح "الجندي" الذي لا يغادر خندقه وإن خلع بزته العسكرية، وروح "الوزير" الذي يبقى مستشاراً للحق وإن غادر مكتبه.
إن الدروس المستفادة من مثل هذه التحركات الوطنية تتلخص في ثلاث:
فالولاء للعرش الهاشمي هو نهج حياة وليس بروتوكولاً وظيفياً.
تمتين الجبهة الداخلية: الوحدة الوطنية هي "الخط الأحمر" الذي تذوب أمامه كل المصالح الشخصية.
حماية منجزات الوطن هي مهمة "الجميع"، من هم في سدة المسؤولية ومن هم في فضاءات العمل العام.
خاتمة: الأثر هو الباقي
سيذكر التاريخ أن "الكراسي" زائلة، وأن الألقاب والمناصب مجرد سحب صيف عابرة، لكن الذي يبقى محفوراً في ذاكرة الوطن هو ذلك الأثر الطيب والمواقف الصلبة التي تتخذ في الأوقات الصعبة. تحية لكل قامة وطنية آمنت أن خدمة الأردن والالتفاف حول قيادته الهاشمية هي مسيرة عطاء تبدأ ولا تنتهي، تماماً كما هي مبادرة الدكتور عوض خليفات، التي أعادت تذكيرنا بأن الكبار يظلون كباراً بمواقفهم، لا بمناصبهم.
حفظ الله الاردن والهاشمين




