نسرين الطويل
لا تَحلم بالتغيير في مجتمعٍ يتنفَّس الفوضى…
مجتمعٍ يعجز عن أن يضع القمامة في مكانها، ثم يحلم أن يضع الإنسان المناسب في المكان المناسب.
المسألة ليست صدفةً، ولا حظًّا عاثرًا، بل انعكاسٌ دقيقٌ لما نرضاه في تفاصيلنا الصغيرة.
حين نمرُّ بجانب القاذورات ولا ننحني لرفعها، نحن لا نتجاهل وسخًا عابرًا فقط… بل نُمرِّن أنفسنا على التعايش مع الخطأ، وعلى قبول ما لا ينبغي قبوله.
الفوضى لا تبدأ من القمّة…
الفوضى تبدأ من الرصيف، من الزاوية المهملة، من يدٍ اختارت أن تترك بدل أن تُصلح.
ومن هناك تكبر… حتى تصير نظامًا غير مكتوب، يُدار به كل شيء.
فمن يرضَ بالأوساخ تحت قدميه، سيعتاد النظر إلى الأسفل…
وحين يعتاد الانحناء، لن يرى من يقف فوق رأسه.
لن يعترض، لن يرفض، بل سيُكيِّف نفسه، كما فعل مع القمامة… سيتجاوز، ثم يصمت، ثم يقبل.
وهكذا، لا يعود الفاسد غريبًا، بل نتيجة طبيعية.
ولا يصبح "الرجل غير المناسب" خطأً إداريًّا، بل اختيارًا منسجمًا مع بيئةٍ فقدت حسَّها الأوّل:
أن تقول "لا" لما لا يليق.
التغيير لا يبدأ بخطاباتٍ كبيرة، ولا بشعاراتٍ تُعلَّق على الجدران.
التغيير يبدأ من لحظة صدقٍ صغيرة:
حين ترفض أن تعيش في القذارة،
حين ترى الخطأ وتسميه باسمه،
حين تدرك أن احترام المكان… هو أول درجات احترام الإنسان.
لأن المجتمعات التي تنظِّف شوارعها، تعرف كيف تنظِّف مواقع القرار.
والتي تتحمَّل الفوضى في أصغر تفاصيلها… ستدفع ثمنها في أكبر قضاياها.
فلا تطلب إصلاح القمّة…
إن كنت قد تصالحت مع الفوضى في القاع.



