خالد عبد العزيز الدرابسة / مساعد الأمين العام لحزب القدوة الأردني
في وقتٍ تتسارع فيه الأحداث وتزداد فيه الضغوط السياسية على دول المنطقة ، تبرز تحركات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الخارجية ولقاءاته الداخلية كمسارٍ متكامل، لا كسلسلة لقاءات منفصلة ، فهي دبلوماسية نشطة تُدار بعقل الدولة، وتُبنى على رؤية واضحة هدفها تثبيت الموقف الأردني والدفاع عن الثوابت الوطنية والقومية.
وتأتي الزيارات الملكية المتكررة إلى العواصم الإقليمية والدولية خاصة التي في عين العاصفة ، لتعكس حضورًا أردنيًا فاعلًا يقوم على المبادرة والتأثير، لا على الانتظار أو رد الفعل ، وفي كلّ محطة، يحمل جلالة الملك رسالة ثابتة: لا استقرار دون عدالة، ولا حلول دون احترام الحقوق، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في دولته.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة جلالة الملك إلى المملكة العربية السعودية، ولقاؤه ضمن اجتماع ثلاثي جمعه مع قيادتي السعودية وقطر. وقد تناول القادة أبرز المستجدات الإقليمية والدولية، بما في ذلك التوترات في المنطقة، وضرورة التنسيق العربي لمواجهة أي تهديدات للأمن والاستقرار، والحفاظ على حرية الملاحة وأمن الطاقة.
هذه الخطوة أكدت على دور الأردن المحوري في صياغة موقف عربي موحد، وترسيخ حضور الدولة في قلب القرارات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، جاء موقف جلالة الملك الرافض للقاء بنيامين نتنياهو ليعزز صورة الدبلوماسية الأردنية القائمة على الموقف لا المجاملة؛ فهذا الرفض لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل قرارًا سياديًا يعكس وضوحًا في الرؤية وثباتًا في المبادئ، مؤكدًا أن الأردن لن يمنح أي غطاء سياسي لحكومات تمارس سياسات تتعارض مع العدالة وحقوق الفلسطينيين.
ما يجمع بين هذه التحركات—من الزيارات المتكررة، إلى الاجتماع الثلاثي، إلى موقف رفض اللقاء مع نتنياهو—هو نهج سياسي واضح: حضور فاعل، رؤية ثابتة، وثوابت لا يمكن التنازل عنها. الأردن، بقيادة جلالة الملك، يثبت أنه شريك في صياغة ملامح المرحلة، وصوت عربي متوازن يعمل على إعادة التوازن في مشهد إقليمي يميل إلى التعقيد ، تمارس فيه إسرائيل سياسة التهويد لكل ما هو عربي ، وتحاصر الشعب الفلسطيني بلقمة عيشه ، وتطرح أفكارا توسعية ، في زمن انشغل فيه العالم بظروف الحروب هنا أو هناك ، فيما يغيّب الإعلامُ ما يعانيه الشعب الفلسطيني .
لقد نذر جلالة الملك على نفسه ألا يُحبطَ توقَ العرب وحنينَهم للقاء القُدس محررة ، فما انفكّ يؤكّدُ باستمرار أنَّ أهدافَ أهلِنا في فلسطين هي أهدافُنا ، وأنّ ارتباطَنا بقضيتِهم إنّما هو ارتباطٌ وثيق متجذّر ، فكرّس كلّ وقته مدافعًا عن حق الشعب الفلسطيني وتطلعاته بأن تكون له دولةٌ مستقلة ، تعيشُ بسلامٍ في محيطها الجغرافي ، وأنّه لا بدّ من وقفِ نزيف القتل والتشريد والاستقواء التي يمارسها الاحتلال ، في لقاءاته الأخيرة عمد جلالته إلى استخدام لغةٍ جديدة في مخاطبةِ العقل الغربي والعالميّ المؤثّر في السياسة الدولية ، حين ذكّر العالم بميثاق الأمم المتحدة ، وأنّ القضيةَ الفلسطينية محلُّ اختبار حقيقي لمدى التزام العالم بقيم الحرية والاستقلال والكرامة ، الأمر الذي انتقل فيه الموقفُ الأردني من حالة تذكيرٍ بحقوق الشّعب الفلسطيني إلى حالةٍ دفاع عن القانون الدولي ، ربط فيه القضيَّةَ الفلسطينيَّة بالأمنِ العالمي ككل .
إنها دبلوماسية نشطة ، تُراكِمُ الموقف، لا تُبدّده ، وتؤكد أن الثبات على المبادئ هو أقصر الطرق إلى التأثير الحقيقي، مهما اشتدت الضغوط وتبدّلت الظروف.




