الأخ الأكبر…
رواية جورج أورويل…
القلعة نيوز -
عند النظر بالعين المجردة إلى صفات الأخ الأكبر أو المهيمن، في الحقيقة، في هذه الرواية الكئيبة، والتي تعرض أسوأ ما في البشر على أنه ممكن الحدوث، بل لقد حدث فعلًا، ولكن ما يخيفني حقًا هو تلك القدرة على القيام بهذا الدور؛ نعم، القيام بدور الظالم، وأن يتم تقمص دوره، بل ويبدع أحيانًا كثيرة فيه بشكل يفوق التصور. هل نحن فعلًا لدينا القدرة على الظلم كما لدينا القدرة على العدل؟ وما الذي يحدد الاتجاه الذي نسلكه، وكيف يتم تحديده؟ وهل ما يعاني منه البشر هو، في الحقيقة، جزء من تلك الذات التي تملك القدرة على القيام بالأمرين معًا، وتقمص الدورين معًا؟ فهل هو ملاك في جهة وشيطان في أخرى...؟
ولماذا تختلف مقاييسنا عندما يتعلق الأمر بما نهتم به، وتصبح العدالة والحقوق مسألة نسبية تحتمل أن تكون لك أو أن لا تكون، حسب العواطف واتجاهها، وننسى تمامًا مفهوم: "لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا"؟ هذه الرواية التي تحاول التركيز على الذات الإنسانية، وليس ما هي قادرة على القيام به، ولكن ما قامت به فعلًا. وخذ ما فعله الاتحاد السوفياتي بالمعارضين في سيبيريا، وسجن الرعب الباتاري في إستونيا، وربما تكون الرواية أقل قسوة مما حدث هناك فعلًا، فقد تجاوزت القسوة كل الحدود، وليس هناك فقط، بل في أماكن كثيرة في العالم...
نعم، ما زلت أذكر تلك الرواية "1984" بكثير من تفاصيلها المرعبة، فعلًا غريبة عقلية (البيغ براذر). أذكر تلك الحبكة جيدًا، لقد عرضها بطريقة رائعة، ولكن هل نحن في هذا العالم بحاجة لها؟ أم أننا نستطيع أن نتدبر أمرنا بدونها؟ هل يجب أن تُدار الدول بهذه العقلية؟ عقلية الوصاية وفرض القرار بالخوف والرعب، عقلية عدم تبني ما تتبناه الدول؛ يعني أن تُحرم من كل شيء: الحرية، والفكر، والمال. وفي سبيل ماذا؟ في سبيل رفعة هذا الأخ الذي يمثل الساسة في أبشع صورهم، عندما يملكون أو يستخدمون تلك القوة لإخضاع البشر لسلطانهم واستعبادهم. ألا يمارس بعض من يملك السلطة، بل الكثير منهم، هذه العقلية بصورة سيئة تمامًا مثل تلك الحكومات أيضًا؟
مخيف حجم الرعب والخوف، والأكثر خوفًا هو كيف تصبح الحرية حلمًا صعب المنال، بل حتى مستحيلًا. قد كنا نستغرب أحيانًا من أولئك العبيد الذين يحاربون الحرية مع أعدائهم، وكيف أنهم يصطفون في صف العدو، ولكن المواطن هنا هو المهم: كيف من الممكن أن تصبح الحرية، والتفكير بها، مجرد التفكير بها، حقيقة ملعونة بالنسبة له، ويسكن الخوف والقلق مكان الحقيقة؟ كيف تصبح المعرفة، تلك المعرفة التي تجعلك تعرف الصواب من الخطأ، خوفًا لا حد له؟ وكيف يتبنى المواطن ما يريده هذا (البيغ براذر) لأنه يريده، بدون أدنى تفكير، حتى لو كان في هذا عداء لأب أو أم أو ابن أو ابنة؟ وكيف يصبح الجميع يتربص بالجميع، وعنده القدرة على الإيقاع به، وعلى التخلص منه في سبيل إرضاء (البيغ براذر)...؟
هذه بيئة مريضة، وفي ظل البيئة المريضة يفقد الإنسان القدرة على التصرف السليم، وفي ظل هذه الظروف تتغير كل المدخلات والمخرجات. نعم، توجد هذه البيئة المريضة في الكثير من الدول اليوم، وعبر هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولكن كيف من الممكن أن تدخل إلى إنسان هذه المنطقة، وتحرره وتخرجه من هذه العبودية إلى تلك الحرية...؟
هنا، من الممكن في هذه الحالة، أن تحمل معولك وتخرج محاولًا أن تهدم ذلك الصنم، لن يحدث معولك شيئًا، وحماة الصنم سيسعون لقتلك، وربما يقتلونك. عندها، من الممكن أن تحرك في هذه الجموع شيئًا من الحرية، أن تُضحي بدمك في سبيل تحريك ضمير هناك، تراكمت عليه سنوات طويلة من العبودية والخنوع والذل، ويأبى الحرية...
ربما تكون هي الطريقة الوحيدة التي تثير فيها الشك في هذه النفوس، وتحاول أن تنزع كل تلك الطبقات الباطلة المتراكمة، وتحاول أن تصل إلى الإنسان الذي يقبع تحتها. ربما الدماء وحدها هي التي تعطي الحياة للأفكار والأشخاص، وتجعل الكل يلتفت إليهم...
كم كانت الدماء هي الطريق الوحيد للحرية، وكم ضاعت دماء سدى، وذهب أصحابها ضحية النسيان في صفحات التاريخ. لكن الآن هناك الكثير ينتظر، ويجب أن نبدأ بإعداد خطة سريعة لترتيب أوضاعنا. لا بد من أن نلتفت قليلًا إلى أنفسنا، نحن غارقون هنا في هذا المجهول، وتلك المحاولات التي قد تأتي بنتيجة وقد لا تأتي بنتيجة...
إبراهيم أبو حويله…




