حين صمت الأب... فسقطت المطرقة وانكسر القضاء
القلعة نيوز -د خليل قطيشات
تحت سقف قاعة المحكمة التي ضجت بخصومة عائلية شائكة، وبينما كانت الزوجة والأبناء يترقبون أحكاماً تنصفهم، والرجل يجمع شتات نفسه للدفاع عن بقاياه، حدث ما لم يكن في الحسبان. في لحظة خاطفة ومزلزلة، تهاوت كل القضايا المرفوعة من شريكة العمر والأبناء في آن واحد، وسقط معها غضب السنين المتراكم، لينهار الأب ويفارق الحياة أمام عدسات العيون المذهولة. لم تعد القاعة تتسع لزوجة تطالب بحقوق مادية، ولا لأبناء ينتظرون فصلاً قانونياً، ولا لرجل يحاول تبرئة ساحته، بل استحال المشهد فجأة إلى قلوب منكسرة تلتف حول جسد غادره صاحبه دون كلمة وداع واحدة.
تحولت لغة الخصومة إلى صرخة مدوية أطلقها الأبناء، صرخة كانت أشد إيلاماً وأقسى وقعاً من أي حكم قضائي جائر، وهم يتوسلون بجسده الساكن: "إصحى يا بابا... إحنا مش عاوزين حاجة... بس كلمنا!"، لتتجلى في تلك اللحظة المأساوية حقيقة غابت خلف جدران العناد؛ فكم من خلافات ظنناها نهاية العالم وعشنا نغذيها بالخصام، ثم اكتشفنا بعد فوات الأوان أن وجود من نحب كان هو العالم بأسره، وأن الكلمات القاسية التي قيلت في لحظات الغضب كانت أطول بكثير من عمر الحياة القصير الذي لا يحتمل الجفاء.
إن القضايا في أروقة المحاكم قد تنتهي وتُغلق ملفاتها بكلمة "حُسمت" قانونياً، لكن في تلك اللحظة تحديداً تبدأ محكمة أخرى داخل أروقة القلوب والضمائر، محكمة ليس فيها قاضٍ سوى الندم، ولا نصوص فيها سوى الحسرة. وتلك المحكمة الدنيوية ما هي إلا مرآة مصغرة ليوم القيامة، حين تنعقد المحكمة الكبرى في الآخرة، ليدرك المتخاصمون حينها فقط فداحة الخسارة ومرارة الجزاء وسوء العاقبة بعد أن ضيعوا العمر في الشقاق.
لقد تناسى الجميع في غمرة الصراع أن الأسرة لم تكن يوماً ساحة حرب تُقاس بالانتصار والهزيمة، بل هي حصن من القلوب التي إذا انكسرت لا يجبرها نص قانوني ولا تعيد دفأها أحكام القضاة. وفي نهاية هذا المشهد الدامي، لم يخرج أحد من القاعة منتصراً، بل خرج الجميع بخسارة فادحة؛ بيتٌ تهدم عموده، وزوجة وأبناء عادوا إلى منزلهم يبحثون في زواياه عن صوت أبيهم الذي صمت إلى الأبد، ليبقى التضرع الخالد: اللهم لا تجعل بيننا وبين من نحب لحظة ندم متأخرة.




