ضجيج الوجع وصمت المكاتب
القلعة نيوز - د. خليل قطيشات
إنّ وقوف المواطن في مهبّ البث المباشر، عارضاً انكساره وحاجته على الملأ، ليس مشهداً إعلامياً عابراً، بل هو صرخة احتجاج ضد صمم إداري جعل من "المناشدة" المعبر الوحيد لنيل الحقوق. في الدول التي تدرك معنى الدولة، تعمل المؤسسات كالساعة السويسرية؛ بصمتٍ، ودقة، ودون حاجة لضجيج، أما حين يضطر "المسحوقون" لخلع ثوب الخصوصية وكشف أوجاعهم أمام الكاميرات، فنحن أمام إعلان رسمي عن وفاة الوظيفة الاجتماعية للمؤسسة، وتحولها إلى ركام من البيروقراطية التي لا تتحرك إلا بوخز "الفضيحة" أو ضغط "التريند".
تكمن المأساة في أن هذا المشهد كسر هيبة "المكتب" ومنح القوة لـ "اللاقط"، فأصبح المواطن مقتنعاً بأن الموظف الذي لا يهتز لندائه الإنساني داخل الرواق، سيرتعد خوفاً من ظهوره على الشاشة. هذا التحول الخطير يعكس انهياراً كاملاً في حلقات الهرم الإداري، حيث يغيب المدير خلف الأبواب الموصدة، وتتلاشى الرقابة في سراديب التبرير، ويصبح "التأجيل" هو الرد التلقائي على كل استغاثة. إنها ثقافة الهروب التي جعلت من المسؤول مجرد مراقب ينتظر توجيهات عليا أو ضغطاً شعبياً ليمارس مهامه التي يتقاضى عليها أجراً من دم هذا المواطن وعرقه.
إن لجوء الإنسان إلى الفضاء العام لانتزاع حق بديهي هو إدانة صريحة لكل مسؤول مرّت عليه المظلمة ولم يحرك ساكناً، وهو دليل على أن "الحل" في بلادنا بات يعتمد على "قوة الضجيج" لا على "قوة القانون". عندما تصبح الواسطة هي المحرك، والمناشدة هي المفتاح، تسقط قيمة المؤسسة وتتحول إلى مجرد مبانٍ خاوية من الروح. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من حل المشكلة بعد ظهورها على الهواء، بل من بتر الأيادي المرتجفة والعقول المتحجرة التي أجبرت المواطن على الوقوف في ذلك الموقف المهين، ليعود للمؤسسة وقارها وللمواطن كرامته التي لا تُباع في سوق البث المباشر.




