شريط الأخبار
بداية النهاية عندما يفقد المحتل صبره.. وزير الثقافة يودّع نظيره السوري بعد ترؤس وفد بلاده المشارك في مهرجان جرش عراقجي: إجراءات إيران ضد الأهداف الأمريكية في المنطقة حق دفاعي مشروع قناة عبرية: نتنياهو سيقدم لترامب معلومات استخباراتية حول سعي إيران مجددا لامتلاك أسلحة نووية الحرس الثوري يكشف عدد قتلى الجيش الأمريكي بنيران إيرانية بعد انتهاك وقف إطلاق النار أكسيوس: ترامب يوجه بوقف الضربات الأميركية الجديدة على إيران لإفساح المجال للدبلوماسية "إدارة الأزمات" يطلق تجارب لنظام الرسائل التحذيرية على الهواتف الطيران المدني: الأجواء الأردنية آمنة.. وتعديل بعض الرحلات يعود لإجراءات تشغيلية زين شريك الاتصالات الرسمي لمهرجان جرش للثقافة والفنون في دورته الأربعين وفد "اليرموك" يطلع على نماذج الابتكار والتنمية في الصين شكر للاردن حزب الإصلاح يكرّم الحكم الدولي أدهم المخادمة تقديراً لإنجازه التاريخي في كأس العالم 2026 وزير الثقافة يستقبل الإعلامي اللبناني طوني خليفة من الحرير إلى الساتان... كيف تجعل الملكة رانيا القميص بطل إطلالاتها الرسمية ( صور ) الأردن يدين تصاعد إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية معارضة إسرائيلية: نتنياهو ووزير دفاعه يسعيان لتفجير الأوضاع بالضفة لأهداف سياسية ترامب يلمح إلى رغبته في الترشح لرئاسة الولايات المتحدة مجددا اليمن: الحوثيون يواصلون المقامرة بمصالح الشعب اليمني خدمة لإيران الأردن يدين تصاعد إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة رقعة الحرب تتسع .. وترامب يدرس تعزيز الضربات على إيران

الليالي البيضاء بين الحلم والواقع: ماذا تعلمنا رواية دوستوفسكي؟

الليالي البيضاء بين الحلم والواقع: ماذا تعلمنا رواية دوستوفسكي؟
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تُعد رواية الليالي البيضاء واحدة من أكثر الأعمال الإنسانية رهافةً وعمقاً في الأدب الروسي. ورغم قصرها النسبي، فإنها تختزن عالماً واسعاً من المشاعر والأسئلة الوجودية التي تتجاوز زمانها ومكانها لتخاطب الإنسان في كل عصر.

تحكي الرواية قصة شاب وحيد يعيش في مدينة سانت بطرسبرغ، يصفه دوستوفسكي بـ”الحالم”. يقضي حياته غارقاً في الخيال والأحلام، بعيداً عن الناس وعن التجارب الحقيقية. وفي إحدى الليالي يلتقي بفتاة تُدعى ناستينكا، فتتحول أربع ليالٍ قصيرة إلى رحلة إنسانية مليئة بالأمل والانتظار والحب والخذلان والنضج. يظن الحالم أنه وجد أخيراً المعنى الذي كان يبحث عنه، لكن الواقع يسير في اتجاه مختلف، ليكتشف أن بعض الأحلام قد تمنحنا لحظات من السعادة حتى وإن لم تتحقق كما أردنا.

لا تكمن عظمة الرواية في قصتها العاطفية فحسب، بل في رسائلها العميقة حول العلاقة بين الحلم والواقع. فدوستوفسكي لا يدين الأحلام، بل يحذر من تحويلها إلى بديل عن الحياة. الإنسان يحتاج إلى الحلم كي يستمر، لكنه يحتاج أيضاً إلى الشجاعة التي تمكنه من تحويل الحلم إلى فعل وإنجاز ومشاركة حقيقية في المجتمع.

وعندما ننظر إلى واقع مجتمعاتنا العربية والأردنية تحديداً، نجد أن كثيراً من القضايا التي تناولتها الرواية ما تزال حاضرة بأشكال مختلفة. فهناك فئة من الشباب تعيش حالة من الانتظار المستمر؛ انتظار فرصة عمل، أو تحسن اقتصادي، أو تغيير اجتماعي، أو فرصة للهجرة، حتى تتحول الحياة أحياناً إلى حالة من الترقب بدلاً من المبادرة. وكما كان بطل الرواية يعيش في عالم الأحلام أكثر مما يعيش في الواقع، فإن بعض المجتمعات قد تقع في فخ الاكتفاء بالأمنيات دون تحويلها إلى مشاريع وأفعال ملموسة.

أما النخب الفكرية والأكاديمية والسياسية، فتقدم لهم الرواية درساً مهماً يتمثل في ضرورة البقاء قريبين من الناس وهمومهم الحقيقية. فالعزلة الفكرية ليست أقل خطراً من العزلة الاجتماعية. فالأفكار مهما بلغت روعتها تبقى ناقصة إذا لم تتحول إلى حلول واقعية تلامس حياة المواطنين وتستجيب لتحدياتهم.

وفي المقابل، يتعلم عامة الناس من الرواية قيمة الأمل وعدم الاستسلام للمرارة. فالحالم خرج من تجربته خاسراً في الظاهر، لكنه ربح شيئاً أكثر أهمية؛ فقد عرف الحب، واكتشف ذاته، وتعلم أن لحظة إنسانية صادقة قد تكون أثمن من سنوات طويلة من الوحدة. وهنا يؤكد دوستوفسكي أن قيمة التجربة لا تقاس دائماً بنتائجها، بل بما تضيفه إلى وعينا ونضجنا الإنساني.

كما تذكرنا الرواية بأهمية العلاقات الإنسانية في زمن تتزايد فيه العزلة رغم كثرة وسائل التواصل. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى المعرفة أو المال أو المكانة، بل يحتاج إلى من يسمعه ويفهمه ويمنحه شعور الانتماء. وقد تكون أزمة كثير من المجتمعات الحديثة هي وفرة التواصل الرقمي مقابل ندرة التواصل الإنساني الحقيقي.

إن الرسالة الكبرى لـ”الليالي البيضاء” تتمثل في أن الحياة لا تُعاش بالانتظار وحده، ولا بالأحلام وحدها، ولا بالواقع المجرد من الأمل. فالتوازن بين الحلم والعمل هو ما يصنع التقدم الفردي والمجتمعي. وكل أمة تمتلك أحلاماً كبيرة لكنها تفتقر إلى العمل ستبقى أسيرة الأمنيات، بينما الأمم التي تحوّل أحلامها إلى خطط ومبادرات ومشاريع هي التي تصنع مستقبلها.

وفي الأردن، كما في غيره من البلدان، تبقى الحاجة ملحة إلى ترسيخ ثقافة المبادرة والإنتاج والإبداع، وإلى بناء جسور الثقة بين الشباب والمؤسسات، وبين الطموحات الفردية والمشاريع الوطنية الكبرى. فالأوطان لا تنهض بالأحلام وحدها، ولا بالشكوى من الواقع، وإنما بإرادة جماعية تؤمن بأن المستقبل يُبنى بالفعل لا بالانتظار.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن الإنسان قد لا يملك دائماً القدرة على تحقيق كل أحلامه، لكنه يملك دائماً القدرة على أن يجعل أحلامه وقوداً للحركة لا وسادةً للركود. فالحياة تمنح فرصها لأولئك الذين يحلمون بعقولهم، ويعملون بقلوبهم، ويواجهون الواقع بشجاعة دون أن يفقدوا إيمانهم بالمستقبل.