شريط الأخبار
الأردن يترأس اجتماعًا في الأمم المتحدة بشأن أطفال فلسطين التجارة الأوروبية: خطاب الملك يؤكد ثوابت الأردن تجاه القضية الفلسطينية كيف تناول الاعلام الدولي خطاب الملك في الامم المتحدة ؟ رئيسة جمعية الإخاء الأردنية العراقية : خطاب الملك جسّد المسؤولية التاريخية والإنسانية للأردن تجاه الشعب الفلسطيني الشيخ طراد الجازي الحويطات : حين دوّى صوت الأردن .. لم يعد للصمت مكان رئيس الديوان الملكي يتفقد مشاريع مبادرات ملكية في الزرقاء ويزور مبنى النادي القوقازي وزير الخارجية يعقد اجتماعا مع نظيره المصري في نيويورك الصفدي: إسرائيل ستواصل تقويض فرص السلام ما لم تواجه بردّ دولي رادع إشادات سياسية وشعبية واسعة بخطاب الملك في الأمم المتحدة خطاب الملك يرسم حدودا واضحة بين خيار السلام وحماية أمن الأردن ومصالحه البطريرك ثيوفيلوس الثالث: خطاب الملك يجسد الالتزام بحماية المقدسات وصون المسيحيين الشرع: اقترحت على ترامب منح نيوجيرسي لإسرائيل بدلاً من الجولان الملكة: أطفال فلسطينيون يُقتادون ليلاً ويحتجزون بظروف مروعة .. "الآن أصبحتم تعرفون" أكسيوس: مجلس السلام سيعلن خطة تعاف لغزة بقيمة 2.45 مليار دولار الشرع: على إسرائيل تغيير سياساتها أبناء الصفاوي في البادية الشمالية يثمنون الخطاب الملكي السامي عشيرة البري في البادية الشمالية : خطاب الملك يمثل نبض كل أردني تجارة الأردن : الملك قدم الأردن للعالم دولة يُعتمد عليها ولا تساوم على مبادئها الموافقة على تعيين أ.د. أحمد حمدان رئيسا لجامعة عمان الأهلية عمان الأهلية : خطاب الملك في الأمم المتحدة تعبير عن حماية المصالح الوطنية ودعم الشعب الفلسطيني وصيانة المقدسات

الليالي البيضاء بين الحلم والواقع: ماذا تعلمنا رواية دوستوفسكي؟

الليالي البيضاء بين الحلم والواقع: ماذا تعلمنا رواية دوستوفسكي؟
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
تُعد رواية الليالي البيضاء واحدة من أكثر الأعمال الإنسانية رهافةً وعمقاً في الأدب الروسي. ورغم قصرها النسبي، فإنها تختزن عالماً واسعاً من المشاعر والأسئلة الوجودية التي تتجاوز زمانها ومكانها لتخاطب الإنسان في كل عصر.

تحكي الرواية قصة شاب وحيد يعيش في مدينة سانت بطرسبرغ، يصفه دوستوفسكي بـ”الحالم”. يقضي حياته غارقاً في الخيال والأحلام، بعيداً عن الناس وعن التجارب الحقيقية. وفي إحدى الليالي يلتقي بفتاة تُدعى ناستينكا، فتتحول أربع ليالٍ قصيرة إلى رحلة إنسانية مليئة بالأمل والانتظار والحب والخذلان والنضج. يظن الحالم أنه وجد أخيراً المعنى الذي كان يبحث عنه، لكن الواقع يسير في اتجاه مختلف، ليكتشف أن بعض الأحلام قد تمنحنا لحظات من السعادة حتى وإن لم تتحقق كما أردنا.

لا تكمن عظمة الرواية في قصتها العاطفية فحسب، بل في رسائلها العميقة حول العلاقة بين الحلم والواقع. فدوستوفسكي لا يدين الأحلام، بل يحذر من تحويلها إلى بديل عن الحياة. الإنسان يحتاج إلى الحلم كي يستمر، لكنه يحتاج أيضاً إلى الشجاعة التي تمكنه من تحويل الحلم إلى فعل وإنجاز ومشاركة حقيقية في المجتمع.

وعندما ننظر إلى واقع مجتمعاتنا العربية والأردنية تحديداً، نجد أن كثيراً من القضايا التي تناولتها الرواية ما تزال حاضرة بأشكال مختلفة. فهناك فئة من الشباب تعيش حالة من الانتظار المستمر؛ انتظار فرصة عمل، أو تحسن اقتصادي، أو تغيير اجتماعي، أو فرصة للهجرة، حتى تتحول الحياة أحياناً إلى حالة من الترقب بدلاً من المبادرة. وكما كان بطل الرواية يعيش في عالم الأحلام أكثر مما يعيش في الواقع، فإن بعض المجتمعات قد تقع في فخ الاكتفاء بالأمنيات دون تحويلها إلى مشاريع وأفعال ملموسة.

أما النخب الفكرية والأكاديمية والسياسية، فتقدم لهم الرواية درساً مهماً يتمثل في ضرورة البقاء قريبين من الناس وهمومهم الحقيقية. فالعزلة الفكرية ليست أقل خطراً من العزلة الاجتماعية. فالأفكار مهما بلغت روعتها تبقى ناقصة إذا لم تتحول إلى حلول واقعية تلامس حياة المواطنين وتستجيب لتحدياتهم.

وفي المقابل، يتعلم عامة الناس من الرواية قيمة الأمل وعدم الاستسلام للمرارة. فالحالم خرج من تجربته خاسراً في الظاهر، لكنه ربح شيئاً أكثر أهمية؛ فقد عرف الحب، واكتشف ذاته، وتعلم أن لحظة إنسانية صادقة قد تكون أثمن من سنوات طويلة من الوحدة. وهنا يؤكد دوستوفسكي أن قيمة التجربة لا تقاس دائماً بنتائجها، بل بما تضيفه إلى وعينا ونضجنا الإنساني.

كما تذكرنا الرواية بأهمية العلاقات الإنسانية في زمن تتزايد فيه العزلة رغم كثرة وسائل التواصل. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى المعرفة أو المال أو المكانة، بل يحتاج إلى من يسمعه ويفهمه ويمنحه شعور الانتماء. وقد تكون أزمة كثير من المجتمعات الحديثة هي وفرة التواصل الرقمي مقابل ندرة التواصل الإنساني الحقيقي.

إن الرسالة الكبرى لـ”الليالي البيضاء” تتمثل في أن الحياة لا تُعاش بالانتظار وحده، ولا بالأحلام وحدها، ولا بالواقع المجرد من الأمل. فالتوازن بين الحلم والعمل هو ما يصنع التقدم الفردي والمجتمعي. وكل أمة تمتلك أحلاماً كبيرة لكنها تفتقر إلى العمل ستبقى أسيرة الأمنيات، بينما الأمم التي تحوّل أحلامها إلى خطط ومبادرات ومشاريع هي التي تصنع مستقبلها.

وفي الأردن، كما في غيره من البلدان، تبقى الحاجة ملحة إلى ترسيخ ثقافة المبادرة والإنتاج والإبداع، وإلى بناء جسور الثقة بين الشباب والمؤسسات، وبين الطموحات الفردية والمشاريع الوطنية الكبرى. فالأوطان لا تنهض بالأحلام وحدها، ولا بالشكوى من الواقع، وإنما بإرادة جماعية تؤمن بأن المستقبل يُبنى بالفعل لا بالانتظار.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن الإنسان قد لا يملك دائماً القدرة على تحقيق كل أحلامه، لكنه يملك دائماً القدرة على أن يجعل أحلامه وقوداً للحركة لا وسادةً للركود. فالحياة تمنح فرصها لأولئك الذين يحلمون بعقولهم، ويعملون بقلوبهم، ويواجهون الواقع بشجاعة دون أن يفقدوا إيمانهم بالمستقبل.