قراءةُ شخصية …
الدكتورُ عبدُ اللهِ عوضُ الخبّاص: سيرةُ عقلٍ لغويٍّ في خدمةِ الهُويّةِ الثقافيّة، من النَقْدِ الأدبِي إلى بناءِ المَنْهَجِ وصيانةِ الوعي
القلعة نيوز -
يُمثِّل الدكتورُ عبدُ اللهِ عوضُ الخبّاص نموذجًا للمثقّف العربيّ الذي تَشَكَّلت تجربتُه عند ملتقى الأدب والنقد، والتربية والتعليم، وقضايا الهُويّة الثقافيّة للأمّة؛ فهو من جيلٍ أكاديميٍّ أردنيٍّ أدرك مبكّرًا أنّ اللغةَ العربيّة ليست مجرّد أداةِ تواصل، بل حاملُ ذاكرةٍ حضاريّةٍ ورمزُ انتماءٍ ثقافيّ، وأنّ الأدبَ في جوهره تعبيرٌ عن الوعي الجمعيّ للأمّة في لحظات تحوّلها التاريخيّ.
وُلِد الدكتورُ عبدالله الخباص في بلدة قبية بتاريخ 20 أيّار 1953م، ونشأ في بيئةٍ عربيّةٍ ظلّت فيها القضيّةُ الفلسطينيّةُ، ولا سيّما قضيّةُ القدس، حاضرةً في الوجدان العام. ومن هنا تبلور مبكّرًا وعيُه الثقافيّ القائم على العلاقة العميقة بين اللغة والذاكرة والهُويّة؛ وهي العلاقة التي ستصبح لاحقًا محورًا في كثيرٍ من اهتماماته العلميّة والفكريّة.
تلقّى تعليمَه الجامعيّ في الجامعة الأردنيّة، حيث نال درجة البكالوريوس في اللغة العربيّة عام 1976م مع تخصّصٍ فرعيّ في التربية، ثم تابع دراساته العليا في التخصّص نفسه، فنال درجة الماجستير في الأدب العربيّ الحديث والنقد عام 1982م، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد عام 1989م. وقد أسهم هذا التكوين العلميّ في ترسيخ منهجٍ نقديٍّ لديه ينظر إلى الأدب بوصفه ظاهرةً ثقافيّةً وتاريخيّة تتجاوز حدود النصّ إلى فضاء المجتمع والتاريخ.
بدأت حياتُه المهنيّة معلّمًا للغة العربيّة في وزارة التربية والتعليم الأردنيّة بين عامي 1976 و1984، وهي مرحلةٌ مبكّرةٌ منحته تماسًّا مباشرًا مع الواقع التربويّ والتعليميّ. ثم انتقل إلى العمل في مديريّة المناهج في الوزارة بين عامي 1985 و1996، حيث شغل عددًا من المواقع المهمّة؛ فكان مديرا للمناهج بالوكالة ،و رئيسًا لقسم اللغة العربيّة، ورئيسًا لقسم العلوم الإنسانيّة، ورئيسًا لقسم التحرير، إضافةً إلى عضويته في فرق الإشراف التربويّ ومناهج اللغة العربيّة. كما كان مقرّر الفريق الوطنيّ لمناهج اللغة العربيّة في مرحلتي التعليم الأساسيّ والثانويّ، ومقرّر الفريق الوطنيّ للإشراف على تأليف كتب اللغة العربيّة التي أعدّها مجمع اللغة العربيّة الأردنيّ لمرحلة التعليم الأساسيّ. وتكشف هذه المرحلة عن جانبٍ أساسيّ في شخصيّته؛ إذ لم يكن باحثًا نظريًّا فحسب، بل مشاركًا فعليًّا في صياغة السياسة اللغويّة والتربويّة في الأردن.
ومع انتقاله إلى العمل الجامعيّ، أصبح عضو هيئة تدريس في قسم اللغة العربيّة في جامعة الزرقاء الأهليّة منذ عام 1997، ثم تولّى عمادة كلية الآداب فيها بين عامي 1999 و2006، كما أدار مركز الدراسات والبحوث والاستشارات في الجامعة نفسها. وقد شارك خلال هذه المرحلة في لجانٍ علميّةٍ وإداريّةٍ متعدّدة، وأسهم في تطوير البيئة الأكاديميّة والبحثيّة في الجامعة. كما حاضر في عدد من الجامعات الأردنيّة، مثل الجامعة الأردنيّة وجامعة عمّان الأهليّة، الأمر الذي رسّخ مكانته بوصفه أستاذًا جامعيًّا وباحثًا في الأدب الحديث والنقد.
إلى جانب نشاطه الأكاديميّ، كان للخبّاص حضورٌ في المؤسّسات الفكريّة والثقافيّة؛ فقد كان نائب رئيس المجلس العلميّ لمكتب الأردن في المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ، وعضوًا في مجلس أمناء كلية المجتمع الإسلاميّ، كما شارك في عددٍ كبيرٍ من الندوات والمؤتمرات العلميّة والثقافيّة التي نظّمتها مؤسّسات مثل مجمع اللغة العربيّة الأردنيّ والجامعات الأردنيّة والمنظّمات الثقافيّة العربيّة.
ومن أبرز محطّاته العلميّة مشاركته في مؤتمر «القدس في الأدب والتاريخ» الذي عُقد في تونس عام 1992م، حيث قدّم بحثًا موسّعًا حول صورة القدس في الأدب العربيّ الحديث، وهو البحث الذي شكّل لاحقًا نواة كتابه المعروف «القدس في الأدب العربيّ الحديث في القرن العشرين». ويُعدّ هذا الكتاب من الأعمال النقديّة المهمّة التي تناولت حضور القدس في الشعر والرواية والقصة والمسرح في الأدب العربيّ الحديث، ولا سيّما في الأدب الفلسطينيّ والأردنيّ. ففي هذا العمل لا يكتفي المؤلف بتحليل النصوص الأدبيّة من زاوية جماليّة، بل يقرأها في سياقها التاريخيّ والسياسيّ، حيث تتحوّل القدس في الخطاب الأدبيّ إلى رمزٍ للذاكرة والوجود والهُويّة العربيّة.
ومن منظورٍ فلسفيٍّ ثقافيّ، يمكن القول إنّ الخبّاص ينتمي إلى تيّارٍ نقديّ يرى أنّ الأدب ليس مجرّد تعبيرٍ فنّيّ، بل هو وثيقةُ وعيٍ تاريخيّ تسجّل تحوّلات المجتمع العربيّ وصراعاته. ولذلك فإنّ دراسته للقدس لم تكن مجرّد دراسةٍ موضوعيّةٍ لمدينةٍ في النصوص الأدبيّة، بل كانت محاولةً لفهم كيف يتحوّل المكان في الوجدان العربيّ إلى فكرةٍ حضاريّةٍ ورمزٍ للوجود الثقافيّ.
ولا يقتصر عطاؤه العلميّ على الدراسات الأدبيّة، بل يمتدّ إلى مجال تعليم اللغة العربيّة وتطوير المناهج؛ فقد شارك في إعداد عددٍ كبيرٍ من المناهج والسلاسل التعليميّة الموجّهة إلى الناطقين بالعربيّة وغير الناطقين بها. كما قاد فرقًا تربويّةً لتأليف سلاسل تعليميّةٍ في تعليم العربيّة للأطفال واليافعين في العالم العربيّ وخارجه، وأسهم في إعداد برامج تدريبيّةٍ للمعلمين والمشرفين التربويين. ومن أبرز هذه المشاريع إشرافه على تأليف سلاسل تعليم العربيّة للناطقين بغيرها، ومشاركته في تطوير مناهج الثقافة الإسلاميّة واللغة العربيّة في عددٍ من المؤسّسات التربويّة.
كما ألّف وشارك في تأليف عددٍ كبيرٍ من الكتب العلميّة والتربويّة والثقافيّة، إضافةً إلى إشرافه على سلاسل معرفيّةٍ وقصصيّةٍ للأطفال، تتناول موضوعاتٍ متعدّدةً مثل التاريخ الإسلاميّ، والأنبياء، وفلسطين، والقدس، واللغة العربيّة. وفي هذا الجانب يظهر بوضوح إيمانه بأنّ بناء الوعي الثقافيّ يبدأ من الطفولة، وأنّ التربية اللغويّة والثقافيّة هي أساس تكوين الإنسان العربيّ.
ومن خلال هذه المسيرة المتنوّعة يمكن قراءة شخصية الدكتور عبد الله الخبّاص بوصفها نموذجًا للمثقّف الموسوعي الذي جمع بين العلم والأدب والتربية في مشروعٍ واحد. فهو ناقدٌ أدبيٌّ يقرأ النصّ في سياقه الحضاريّ، وخبيرٌ تربويٌّ يسعى إلى تطوير التعليم، ومثقفٌ قوميّ يرى في اللغة العربيّة ركيزةً من ركائز الهويّة الثقافيّة للأمّة.
وهكذا تبدو تجربته أقرب إلى مشروعٍ ثقافيٍّ متكامل يقوم على ثلاث دعائم:
الأولى: الوعي اللغويّ الذي يرى في العربيّة أساسًا للانتماء الحضاريّ.
والثانية: الوعي التربويّ الذي يسعى إلى بناء الإنسان من خلال التعليم والمناهج.
والثالثة: الوعي القوميّ الذي يتجلّى في اهتمامه بالقدس وفلسطين بوصفهما جزءًا من الذاكرة الثقافيّة العربيّة.
ومن هنا فإنّ سيرة الدكتور عبد الله الخبّاص ليست مجرّد مسيرةٍ أكاديميّةٍ في تدريس الأدب العربيّ، بل هي رحلةُ عقلٍ لغويٍّ سعى إلى أن يجعل من المعرفة الأدبيّة والتربويّة وسيلةً لحفظ الهويّة الثقافيّة للأمّة وترسيخ حضور اللغة العربيّة في عالمٍ يتغيّر بسرعة. وفي هذا المعنى يغدو مشروعه الفكريّ شاهدًا على دور المثقّف العربيّ في الربط بين العلم واللغة والذاكرة الحضاريّة، وربط المعرفة الأدبية بقضايا الأمة وفي مقدمتها قضية القدس.
إعداد/د.منير عقل




