اسمع وافهم الوطني افعال لا اقوال
لم تعد أزمة بث مباراة النشامى أمام سوريا مجرد مشكلة تقنية يمكن تجاوزها باعتذار رسمي فما حدث وضع ملف إدارة البث أمام اختبار حقيقي، لأن القضية لا تتعلق بصورة انقطعت أو إشارة ضعفت فقط، بل بطريقة اتخاذ القرار، ومعايير اختيار الجهة الناقلة، ومستوى الاستعداد، وحدود المسؤولية عندما يفشل التنفيذ.
الاتحاد الأردني لكرة القدم أوضح في بيانه أن تأخر الرد على العروض المقدمة من القنوات المحلية أدى إلى اللجوء لشركة متخصصة لاستكمال البث، ثم أشار إلى خلل فني في خدمة الإنترنت أثر على استقرار البث، مؤكدًا أن اختبارات فنية سبقت المباراة ولكن هذه الرواية، حتى مع أخذها كما وردت، تترك أسئلة أساسية تحتاج إلى إجابات واضحة أمام الجمهور الأردني.
من اتخذ قرار إسناد البث؟ ومن اختار الشركة؟ وما المعايير التي بُني عليها الاختيار؟ وهل كانت هناك بدائل جاهزة؟ ومن كان مسؤولًا عن التأكد من جاهزية البث قبل انطلاق المباراة؟ هذه أسئلة مشروعة لا تعني اتهام أحد، لكنها تعني أن القرار العام يجب أن يكون قابلًا للمراجعة والمساءلة عندما تظهر نتائجه على أرض الواقع.
وإذا كانت الاختبارات الفنية قد أُجريت بالفعل، فمن حق الجمهور أن يعرف طبيعتها ونتائجها، وما إذا كانت شملت جميع عناصر البث والاتصال وخطط الطوارئ. فالاختبار الحقيقي لأي منظومة لا يكون عندما تعمل الظروف بصورة مثالية، وإنما عندما يحدث خلل مفاجئ هل توجد بدائل؟ هل توجد غرفة عمليات؟ هل توجد وسيلة احتياطية؟ ومن يملك صلاحية التدخل الفوري؟
القضية كذلك لا ينبغي أن تُختزل في الشركة المنفذة وحدها، لأن اختيار أي جهة خارجية يجب أن يسبقه تقييم ومتابعة وإشراف من الجهة صاحبة القرار وإذا كان هناك قصور في التعاقد أو المتابعة أو تقدير المخاطر، فإن المسؤولية لا يمكن أن تتوقف عند الحلقة التنفيذية الأخيرة، بل يجب أن تحدد وفق تسلسل القرار ومن يملك الصلاحية والمسؤولية.
إذا كشف التحقيق وجود تقصير أو سوء إدارة أو تجاهل لمتطلبات الجاهزية، فإن المحاسبة يجب أن تكون واضحة وحقيقية ودون مجاملة فالموقع الإداري لا يمنح حصانة من المساءلة، والاعتذار لا يلغي المسؤولية .
الجمهور الأردني لا يريد كبش فداء، كما أنه لا يريد تبريرًا جديدًا يريد أن يعرف الحقيقة كاملة: كيف بدأ القرار؟ من درسه؟ من وافق عليه؟ من تابع التنفيذ؟ ماذا كانت نتائج الاختبارات؟ ولماذا لم تنجح الإجراءات الاحتياطية في منع الأزمة أو احتوائها سريعًا؟ هذه المعلومات هي التي تسمح بتحديد المسؤولية بصورة عادلة.
منتخب النشامى ليس حدثًا عاديًا، والجمهور الذي يتابعه ليس رقمًا في معادلة تجارية فعندما يلعب المنتخب، فإن الصورة التي تصل إلى المشاهد هي جزء من صورة الأردن الرياضية والإعلامية، ولذلك فإن التعامل مع البث يجب أن يكون بمستوى أهمية الحدث، وبمعايير أعلى من التجربة والخطأ والاعتماد على حلول غير مضمونة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس فقط إعلان إجراءات لمنع تكرار المشكلة، بل إعلان نتائج مراجعة واضحة لما حدث، وتحديد مكامن الخلل، ومساءلة من تثبت مسؤوليته، وتصحيح آلية اتخاذ القرار مستقبلًا فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الاعتذار وينتهي عنده؛ بل يبدأ من الاعتراف بالمشكلة، ثم كشف أسبابها، ثم معالجة جذورها، ثم ضمان عدم تكرارها.
نحن لا نطالب بإدانة أحد قبل التحقيق، ولا نطالب بعقوبة قبل ثبوت المسؤولية نحن نطالب بشيء أبسط وأوضح الحقيقة أولًا، ثم المحاسبة فإذا ثبت التقصير، فالمحاسبة واجبة مهما كان موقع المسؤول، وإذا لم يثبت، فليُعلن ذلك بوضوح حتى لا يبقى المجال مفتوحًا للشائعات والتأويلات.
إن احترام الجمهور لا يكون بالاعتذار فقط، بل بإعطائه إجابات كاملة عندما تقع أزمة تمس حقه في متابعة منتخب بلاده. والشفافية ليست ضعفًا، والمحاسبة ليست إساءة للمؤسسة، بل هي الطريق الطبيعي لحمايتها وتصحيح مسارها واستعادة ثقة الجمهور بها.
بث النشامى أمام اختبار الدولة ليس لأن الدولة مسؤولة عن كل تفصيل فني، بل لأن كل قرار عام يجب أن يخضع للمساءلة عندما يفشل والحقيقة يجب أن تظهر كاملة، والمسؤولية يجب أن تحدد بدقة، ومن يثبت تقصيره يجب أن يحاسب دون مجاملة أو استثناء.
الاعتذار بداية، أما كشف الحقيقة والمحاسبة فهما الاختبار الحقيقي.











































