ليست أمانة عمّان الكبرى مؤسسة خدمية عادية ، بل هي واحدة من أهم مؤسسات الدولة وأكثرها إلتصاقًا بالحياة اليومية للمواطن ؛ فهي التي تتعامل مع الشوارع ، والأرصفة ، والنظافة ، والنقل ، والتنظيم ، والأسواق ، والحدائق ، والبنية التحتية ، والخدمات الإلكترونية ، ومئات التفاصيل التي تصنع في مجموعها صورة العاصمة وراحة سكانها .
ومن هنا فإن قيادة هذه المؤسسة تحتاج إلى خبرة متراكمة ، ومعرفة دقيقة بتفاصيل العمل ، وقدرة على اتخاذ القرار ، ورؤية للمستقبل .
وفي هذا السياق يأتي إسم المهندس أحمد الملكاوي ، الذي تولّى رئاسة لجنة أمانة عمّان ، بعد سنوات من العمل داخل الأمانة وتدرّجه في مواقعها التنفيذية ، وصولًا إلى مدير مدينة عمّان. وقد كان الملكاوي قبل ذلك نائبًا لمدير المدينة لشؤون الأشغال العامة ، ثم مديرًا للمدينة ، ما يمنحه معرفة مباشرة بطبيعة العمل وتفاصيله وتحدياته .
المرحلة الجديدة تحتاج إلى رؤية جديدة .
المؤسسات الناجحة لا تتوقف عند ما تحقق ، ولا تعيش على إنجازات الماضي ، وإنما تنظر دائمًا إلى الأمام .
والواضح من التوجهات التي أعلنها الملكاوي أن المرحلة المقبلة تركز على تحسين جودة الخدمات ، وتسهيل الإجراءات وتبسيطها ، وإستكمال الخطط والمشاريع الاستراتيجية ، وتعزيز العمل بروح الفريق الواحد .
وهذا هو المطلوب من أي إدارة جديدة : أن يكون لديها تصور واضح لما تريد أن تنجزه ، وأن تنتقل بالأمانة من مجرد إدارة الأعمال اليومية إلى إدارة مدينة تتغير احتياجاتها بإستمرار .
ولعل من الملفات التي تستحق أولوية كبيرة في المرحلة المقبلة : تطوير الخدمات الرقمية ، تقليل زمن إنجاز معاملات المواطنين ، تحسين النظافة والمشهد الحضري ، معالجة الإختناقات المرورية ، تطوير النقل العام ، المحافظة على الأرصفة والحدائق ، رفع كفاءة الرقابة الميدانية ، وتحقيق قدر أكبر من التواصل المباشر مع المواطنين .
وقد ظهر الإهتمام بالتحول الرقمي في متابعة الملكاوي لمديرية تكنولوجيا المعلومات والإتصالات ، واطلاعه على مشاريع تحديث البنية التحتية التقنية وتعزيز كفاءة الأنظمة والخدمات الرقمية .
كما أن اللقاءات مع مجلس الأعيان والجهات المختلفة تؤكد أهمية فتح قنوات التعاون حول الملفات الخدمية والتنموية والسياحية للعاصمة .
التغيير الإداري ليس جريمة !
وهنا لا بد من كلمة واضحة في مواجهة ما قد يتعرض له أي مسؤول جديد من إنتقادات بسبب التغييرات الإدارية التي يجريها .
التغيير الإداري في حد ذاته ليس دليلًا على الإنتقام ، كما أن بقاء المسؤول في موقعه ليس دليلًا على الكفاءة .
الحكم يجب أن يكون على النتائج ، والأداء ، والإنجاز ، وإحترام القانون ، وتحقيق المصلحة العامة .
فكل إدارة جديدة من حقها ، بل من مسؤوليتها ، أن تراجع هيكل العمل ، وأن تختار الفريق الذي ترى أنه قادر على تنفيذ برنامجها ، ما دام ذلك يتم وفق القانون والأنظمة والتعليمات ، وبعيدًا عن الشخصنة والمحسوبية وتصفية الحسابات .
ولا يجوز أن نحكم مسبقًا على أي تغيير بأنه إنتقامي لمجرد أنه طال هذا المسؤول أو ذاك .
وفي المقابل ، فإن الإدارة الرشيدة مطالبة أيضًا بأن تجعل التغيير أداة لتطوير الأداء وليس مجرد تبديل أسماء ، وأن تستفيد من أصحاب الخبرة والكفاءة ، وأن تضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، وأن تمنح الموظف المجتهد فرصة حقيقية للإبداع والعطاء .
ادعموا الإدارة الجديدة ثم حاسبوها على النتائج :
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة هو أن يبدأ البعض بمحاكمة الإدارة الجديدة قبل أن تمنح الوقت الكافي لتنفيذ رؤيتها .
لقد أعلن الملكاوي إلتزامه بإستكمال الخطط والمشاريع القائمة ، وهذا دليل قاطع على تقدير جهود معالي الأمين الشواربه والبناء على ماتم إضافة الى تطوير الخدمات وتحسينها ، وأكد أهمية العمل الجماعي وإستمرار تنفيذ الخطط الإستراتيجية التي تلبي أولويات التنمية وتطلعات المواطنين .
إذن ، المطلوب اليوم ليس إطلاق الأحكام المسبقة ، وإنما إعطاء الإدارة الجديدة فرصة حقيقية للعمل .
وبعد ذلك تكون المحاسبة مشروعة وضرورية :
ماذا أنجزت ؟
ماذا طوّرت ؟
هل تحسنت الخدمات ؟
هل انخفضت مدة إنجاز المعاملات ؟
هل أصبح المواطن أكثر رضا ؟
هل تحسنت النظافة ؟
هل عولجت الاختناقات المرورية ؟
هل تطورت الخدمات الإلكترونية ؟
هل أصبحت القرارات أكثر سرعة وفاعلية ؟
هل سيتم حل المشكلات العالقة ؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب أن نحاسب بها أي إدارة .
أما أن نرفض التغيير لمجرد أنه تغيير ، أو نحوله إلى معركة شخصية بين مؤيد ومعارض ، فهذا لا يخدم عمّان ولا أهلها .
عمّان أكبر من الأشخاص .
أمانة عمّان مؤسسة وطنية ، وعمّان مدينة لكل الأردنيين ، ولذلك فإن المصلحة العامة يجب أن تبقى فوق الأشخاص والمواقع .
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن تتضافر جهود رئيس لجنة الأمانة ، وأعضاء اللجنة ، ومدير المدينة ، والنواب ، والمستشارين ، ومديري الدوائر والمناطق ، وجميع العاملين في الأمانة ، ضمن فريق واحد هدفه المواطن ومدينة عمّان .
فالنجاح لا يصنعه الأمين أو رئيس اللجنة وحده ، وإنما تصنعه مؤسسة كاملة تعمل بروح الفريق .
ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع هي :
أتركوا الإدارة تعمل ، وأدعموا كل خطوة صحيحة ، وأنتقدوا الخطأ عندما يقع ، وحاسبوا على النتائج عندما تظهر .
أما تحويل كل تغيير إداري إتهام بالإنتقام ، فليس من العدل في شيء .
أعطوا أحمد الملكاوي وفريقه الفرصة ، فالميدان هو الذي سيحكم ، والإنجاز هو الذي سيجيب ، والمواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة في تقييم مستوى الخدمة .
ولن أتوانى في نصرة الحق إذا لم يُتبع وإنحرف عن الجادة .
فالغاية ليست أن ينتصر شخص على شخص ، ولا إدارة على إدارة ، وإنما أن تنتصر عمّان .











































