الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
عندما نتحدث عن مستقبل التعليم التقني والتطبيقي في الأردن، فإن نقطة البداية يجب ألا تكون عدد التخصصات التي نستطيع طرحها، بل القطاعات التي تستطيع أن تنمو وتستثمر وتخلق وظائف حقيقية. ومن هذا المنطلق جاءت برامج الكلية التقنية في جامعة اليرموك لتربط التعليم بالتحولات الفعلية في الاقتصاد، بحيث تصبح المهارة والتطبيق والتدريب في موقع العمل والقدرة على الانتقال إلى الوظيفة أو المشروع هي المعيار الحقيقي لنجاح البرنامج.
الأرقام تجعل هذا التحول ضرورة وليس خيارًا. فالبطالة في الأردن بقيت عند مستويات مرتفعة، وسجلت نحو 21.4% في الربع الثالث من عام 2025، في حين نما الاقتصاد الحقيقي بنحو 2.8% خلال العام نفسه. وفي حزيران 2026 أقر البنك الدولي تمويلًا بقيمة 700 مليون دولار لدعم الاستثمار الخاص وخلق فرص العمل وتسريع التحولين الأخضر والرقمي. وهذا يعني أن التحدي لم يعد توفير التعليم بحد ذاته، وإنما توجيهه نحو القطاعات القادرة على تحويل النمو والاستثمار إلى وظائف. (World Bank)
وتقدم دراسات منظمة العمل الدولية صورة واضحة لهذا الاتجاه. فقد حددت في الأردن ستة مجالات ذات إمكانات مرتفعة لخلق وظائف خضراء ورقمية، هي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والسياحة والضيافة، والتنقل الكهربائي، والزراعة والتكنولوجيا الزراعية. كما يؤكد تقرير المنظمة العالمي الصادر في 2025 حول مهارات القوى العاملة حتى 2030 أن التحولين الأخضر والرقمي سيغيران تركيب الوظائف والمهارات المطلوبة، وأن الاستجابة يجب أن تبدأ بإعادة بناء التعليم والتدريب حول هذه الاحتياجات. (International Labour Organization)
في مقدمة هذه الفرص يأتي الاقتصاد الرقمي. فالتحول الرقمي لم يعد قطاعًا منفصلًا، بل أصبح جزءًا من الصناعة والبنوك والصحة والسياحة والنقل والتجارة والحكومة. وتشير نتائج برامج البنك الدولي في الأردن إلى تدريب أكثر من 4,000 شخص في المجال الرقمي وخلق أكثر من 3,200 فرصة عمل. كما تشير بيانات حديثة لمنظمة العمل الدولية حول الوظائف المعلنة إلكترونيًا في الأردن ومصر والإمارات إلى تحول في الطلب نحو وظائف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات، وإلى أن أصحاب العمل يبحثون بصورة متزايدة عن حزم تجمع المهارات التقنية والمعرفية والاجتماعية. (World Bank)
وهنا تصبح برامج تحليل البيانات والأمن السيبراني مرتبطة مباشرة بوظائف المستقبل. محلل البيانات لم يعد يعمل في شركة تكنولوجيا فقط، بل في البنك والمستشفى والمصنع وشركة الاتصالات والمؤسسة السياحية. ومتخصص الأمن السيبراني أصبح ضرورة لأي مؤسسة تحتفظ ببيانات أو تقدم خدمات إلكترونية. والأهم أن هذه الوظائف تمتلك سوقًا يتجاوز الحدود الوطنية، بما يفتح أمام الخريج فرص العمل عن بعد وتصدير الخدمات الرقمية والعمل الحر.
وفي القطاع الهندسي، تشير دراسة حديثة لمنظمة العمل الدولية صدرت في حزيران 2025 إلى أن قطاع المنتجات والخدمات الهندسية الأردني يمتلك إمكانات للنمو في التجارة الإقليمية وتحسين نتائج التشغيل، لكنها تربط تحقيق هذه الإمكانات بمعالجة فجوات المهارات ومواءمة قدرات العاملين مع متطلبات الصناعة والتكنولوجيا والتنافسية. (International Labour Organization)
ومن هنا تتغير وظيفة برنامج الهندسة الكهربائية والإلكترونية. فالسوق يحتاج إلى خريج يستطيع الانتقال من المعرفة النظرية إلى التشغيل والصيانة والتحكم والأتمتة وكفاءة الطاقة والطاقة المتجددة والأنظمة الكهربائية والإلكترونية المستخدمة داخل المصانع والمباني والمنشآت. وعندما يقترن البرنامج بتدريب فعلي لدى الشركات يصبح الانتقال من قاعة الدراسة إلى موقع العمل أقصر وأكثر واقعية.
ويتصل بذلك إدارة الإنشاءات، لأن قطاع البناء نفسه يتغير. المشاريع الحديثة تحتاج إلى إدارة التكلفة والوقت والجودة والسلامة والاستدامة والتقنيات الرقمية وإدارة الموقع، وليس إلى المعرفة الهندسية التقليدية وحدها. وبالتالي فإن مخرج البرنامج المطلوب هو شخص قادر على التعامل مع المشروع بوصفه منظومة متكاملة، يستطيع العمل مع شركات المقاولات والمكاتب الاستشارية وشركات إدارة المشاريع والتطوير العقاري والبنية التحتية.
أما تصميم المنتجات فيرتبط مباشرة بمستقبل الصناعة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. وتبين GIZ أن هذه المنشآت تشكل نحو 98.5% من الشركات الأردنية، وتسهم بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر قرابة 60% من الوظائف. وتعمل برامجها الحالية على مساعدة مئات المنشآت على تطوير منتجات وعمليات ونماذج أعمال أكثر ابتكارًا وتنافسية. (giz.de)
وهذا يجعل تصميم المنتجات تخصصًا اقتصاديًا قبل أن يكون تخصصًا فنيًا. فالسوق يحتاج إلى من يستطيع تحويل الفكرة إلى نموذج، والنموذج إلى منتج قابل للتصنيع، ثم تحسينه من حيث الوظيفة والكلفة والجودة وقابلية التسويق. ويمكن للخريج أن يعمل في المصنع أو شركة التصميم والتطوير، كما يستطيع تأسيس مشروعه الخاص وتطوير منتجات قابلة للدخول إلى السوق.
وفي موازاة ذلك، يفتح التحول الأخضر سوقًا جديدة للوظائف. فقد أظهر أول تقييم شامل للوظائف الخضراء في الأردن، الذي نُفذ بالتعاون بين GIZ ومنظمة العمل الدولية باستخدام منهجية GAIN، وجود إمكانات معتبرة لخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة ومستحثة من التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة. (International Labour Organization)
والأمثلة بدأت تظهر على الأرض. ففي دير علا أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي في عام 2025 منشأة لإعادة تدوير البلاستيك الزراعي باستثمار يقارب 1.2 مليون دولار، لخدمة سبع بلديات وخلق أكثر من 50 فرصة عمل خضراء. وعلى نطاق أوسع، أسهم برنامج Green Growth and Jobs Accelerator الذي يشمل الأردن ودولًا عربية أخرى في خلق 1,455 وظيفة، بينما حققت 81% من الشركات المشاركة نموًا في الإيرادات وتبنت 71% منها حلولًا أكثر استدامة. (UNDP)
هذه التحولات تفتح وظائف في الطاقة وكفاءة الاستهلاك والصيانة الكهربائية وإدارة المياه والاقتصاد الدائري والتصميم المستدام وإدارة المنشآت، وتؤكد أن المهارات الخضراء يجب ألا تطرح كتخصص مستقل بالضرورة، بل يجب إدماجها داخل البرامج الهندسية والإنشائية والتقنية.
وفي السياحة والضيافة نملك ميزة مختلفة، لأن الأردن يمتلك المنتج السياحي أصلًا. التحدي هو زيادة القيمة الاقتصادية التي نولدها منه. وقد وضعت منظمة العمل الدولية السياحة والضيافة ضمن القطاعات الستة ذات الإمكانات المرتفعة للوظائف الخضراء والرقمية في الأردن. (International Labour Organization)
وهنا تأتي أهمية برامج إدارة السفر والسياحة الدولية، وإدارة الضيافة وفنون الطهي. فالوظيفة لم تعد تقتصر على الفندق أو مكتب السياحة. هناك إدارة الوجهات والفعاليات، وتجربة الزائر، والتسويق السياحي الرقمي، وإدارة الأغذية والمشروبات، وفنون الطهي، والمشروعات السياحية الصغيرة. وهذه مجالات تسمح للخريج بالعمل، لكنها تسمح له أيضًا بأن يصنع فرصة عمل لنفسه ولغيره.
وفي الرعاية الصحية يتزايد الطلب على مهارات عملية متنوعة بسبب توسع الخدمات الصحية والرعاية المنزلية وخدمات كبار السن والمؤسسات الصحية والاجتماعية. ولذلك فإن برنامج الممارسة الصحية في التمريض ومساعد الرعاية الصحية يجب أن يركز على الكفاءة المهنية المباشرة، وسلامة المريض، والرعاية الأساسية، والتواصل، واستخدام التقنيات الصحية، والتدريب السريري، بحيث يكون الخريج قادرًا على الدخول إلى بيئة العمل بمهارات قابلة للقياس.
أما علوم الرياضة والتدريب الرياضي فيجب ألا يُنظر إليها كتخصص أكاديمي تقليدي. فهناك سوق متنامية تشمل الأندية والاتحادات والأكاديميات الرياضية ومراكز اللياقة والتدريب الشخصي وتحليل الأداء وإدارة البرامج الرياضية. وعندما يقترن التأهيل العلمي بالشهادات المهنية والتدريب الميداني يمكن تحويل الرياضة إلى مسار مهني وريادي أكثر وضوحًا.
وتبقى الأعمال والريادة الرابط بين هذه المسارات جميعًا. فالاقتصاد الأردني الذي تشكل المنشآت الصغيرة والمتوسطة معظم شركاته لا يستطيع أن يبني مستقبله على ثقافة انتظار الوظيفة وحدها. متخصص الأمن السيبراني يستطيع تأسيس شركة خدمات، وخريج فنون الطهي يستطيع بناء مشروع غذائي، ومصمم المنتجات يستطيع تطوير منتجه، وخريج الهندسة الكهربائية يستطيع إنشاء مشروع صيانة أو طاقة، ومدرب الرياضة يستطيع تأسيس أكاديمية أو خدمة تدريب متخصصة.
وهذه ليست فرضية نظرية. فالبنك الدولي يوثق حصول 48 ألف أردني على وظائف رسمية ضمن برامجه، كان 52% منهم من النساء، إضافة إلى 30 ألف شخص استفادوا من التدريب أثناء العمل. كما أظهر تقرير منظمة العمل الدولية عن تنفيذ برامجها في الأردن خلال 2024 استفادة 8,916 شخصًا من تدخلات أسهمت في إنشاء 2,032 وظيفة. (World Bank)
وهنا تكمن القضية الأساسية: التدريب المرتبط بصاحب العمل يغير احتمالات التوظيف.
لذلك يجب ألا نقيس نجاح البرنامج بعدد المسجلين أو الخريجين فقط. المؤشرات الأكثر صدقًا هي: نسبة الخريجين الذين يحصلون على عمل خلال ستة أشهر، ونسبة من يعملون في مجال تخصصهم، ومتوسط دخلهم، وعدد من أسسوا مشاريعهم، وعدد الشركات التي تستقبل الطلبة للتدريب ثم توظفهم، ومدى رضا أصحاب العمل عن مهارات الخريجين.
فالغاية من التعليم التقني والتطبيقي ليست إضافة شهادة جديدة إلى السيرة الذاتية، وإنما تقليص المسافة بين التعليم والإنتاج. وهذا يتطلب أن يشارك صاحب العمل في تحديد المهارات، وتصميم التدريب، وتقييم الأداء، وأن يقضي الطالب جزءًا حقيقيًا من رحلته التعليمية داخل بيئة العمل.
إذا أردنا معالجة البطالة بصورة مختلفة، فعلينا أن نتوقف عن إعداد الخريجين للوظائف التي عرفناها بالأمس، وأن نبدأ بإعدادهم للقطاعات التي ستستثمر وتنمو غدًا. نقرأ السوق أولًا، نحدد الوظيفة، نفككها إلى مهارات، نبني البرنامج حولها، ثم نقيس نجاحنا بقدرة الخريج على العمل والإنتاج وتأسيس مشروعه، لا بعدد الشهادات التي أصدرناها.
هذه هي المعادلة التي يمكن أن تجعل التعليم التقني والتطبيقي جزءًا من الحل الاقتصادي، لا مجرد مسار تعليمي آخر.



