شاهدت بالأمس، كغيري، مشاهد آليات الأمانة وهي تقتلع أشجار الأرصفة، واستغربت حالة الاستنكار العام لهذا الإجراء.
القلعة نيوز -م.محمد صيام
هل يعقل أني الوحيد الذي عاش في هذه المدينة حاقداً على أشجار الأرصفة؟! أم أن الحاقدين أمثالي لم يحن دورهم بعد لإبداء آرائهم؟
أتيت إلى عمان عام 2001، وكنت قبلها أعيش في دبي. انطباعي الأول عن المدينة كفتى عمره ١٤ عاماً، كان أنها تعاني من أشجار "ثقيلة الدم" ومزعجة.
لم أرَ في حياتي شجرة "جولدستار" (Goldcrest) تُزرع بهذا الشكل المنفّر كما هو لدينا في عمان. شجرة ثقيلة الدم مخروطية الشكل، تملأ الرصيف بأغصانها الكثيفة من الأسفل، وتمنع أياً كان من المرور، فكيف بأم تحاول عبور الرصيف بعربة طفلها؟!
ولم أستوعب يوماً ما الذي يدفع صاحب منزل لزراعة "اليوكا" (Yucca) على الرصيف أمام بيته! ولماذا لا يعاقبه القانون باعتبارها سلاحاً فتاكاً مشهّراً بوجه المارة!
أتيت عمان حينها في العطلة الصيفية، ومع بداية موسم الربيع، اكتشفت أمراً مفزعاً. كان صديقي يعاني مما عرفت حينها أنها "حساسية الربيع". أخبرني أنها سبب احمرار عيونه يومياً وانسداد أنفه، وأنها تشتد عليه بسبب "زهر الزيتون" المزروع على أرصفة منطقته. ليتبادر لذهني من جديد.. من أعطى الحق لشخص بأن يؤذي البشر بهذا الشكل؟ ولماذا لا يقتصر تواجد مثل هذا الشجر في المزارع والحقول المخصصة لزراعة الزيتون؟
كفتى قادم من دبي، لم يكن في قاموسي أن تكون المدينة بلا زراعة، فالأشجار هي أساس ذكرياتي السابقة. لكن ما كان يجول بخاطري: كيف أمكنهم، من بين سعة خيارات الأشجار، أن يختاروا أبشعها وأنفرها للأرصفة!
ما زاد استغرابي هو مشروع نفذته أمانة عمان في شارع منزلنا (شارع إبراهيم القطان)، بين الدوار السابع ومجمع جبر، في العقد الأول من الألفية. تم نزع كافة الأشجار، واستبدالها بأشجار "الشماسي / الزنزلخت"، وإعادة تبليط الرصيف لكامل الشارع بـ "الانترلوك".
حدثت نفسي حينها: طالما أنهم يعلمون الحل، لماذا لا يعممونه!
الآن أقرأ آراء غالبية المعارضين لما تقوم به الأمانة باعتباره "شراً مطلقاً"، ولكني أتعجب لماذا لا نطالب بتقييد وتنظيم هذا الإجراء بدلاً من رفضه بالكلية، وذلك بناءً على معايير واضحة:
أولاً: تحديد معايير للأشجار التي لن تزال، فهناك من تصرف بوعي، وانتبه لكل المحددات، وزرع بشكل سليم، لماذا يعاقب بإزالة أشجاره، محددات مثل ارتفاع فروعها لتناسب مرور المارة، والحيز الذي تأخذه من الرصيف، ونوع الشجرة ومدى ملاءمتها للمكان العام. فلماذا مثلاً تُقتلع أشجار الزنزلخت، والحور، والكينا وهي أشجار عالية، وظلها وارف، ولا تؤذي أحداً؟
ثانياً: إصلاح الأرصفة فوراً. يجب على الأمانة أن تعيد تأهيل وتبليط الأرصفة التي تزيُل منها الأشجار فوراً. فنحن على أعتاب فصل الشتاء، ولا نريد أن نسمع عن مآسي جديدة من انزلاقات وإصابات بين المواطنين بسبب الحفر والطين.
ثالثاً: معالجة استمرارية الرصيف. وهو المعيار الأهم. الرصيف الذي ليس له استمرارية يجب أن يستمر، والرصيف الذي ينقطع بأرض ترابية يجب أن يُستكمل، حتى يكون المشروع ناجعاً وحضارياً حقاً.
أما المطالبون بتخضير المدينة -وهو واجب طبعاً- فطالبوا الأمانة بتطبيق قانون المساحات الخضراء في المنازل وارتدادات الأبنية، ولتكن المساحات الخضراء لزراعة الأشجار لا لأحواض النعنع. هي ذات الشجرة، فلتكن داخل السور وظلها على الرصيف، عوضاً عن زراعتها بمنتصف الرصيف وإغلاق الطريق على المارة.
كذلك طالبوا بتخضير الجزر الوسطية بأشجار مناسبة، لا أن تبقى الأشجار لعشر سنوات وهي لم تتجاوز طولها الذي زرعت به، لعدم مناسبة صنفها للمنطقة، أو سوء تحضير موقعها للزراعة.
المسألة تحتاج لمنظور متكامل ومهني للتعاطي مع شجر المدينة، وليس مجرد "فزعة" من كلا الطرفين.
ودمتم.
#عمان #أمانة_عمان #أشجار_الأرصفة #تجميل_عمان




