من بكين إلى عمّان.. هل تتحول الاتفاقيات إلى استثمارات وصناعة وفرص عمل؟
اللواء المتقاعد طارق عبدالمحسن الحباشنة
في السياسة، لا تُقاس أهمية الزيارات الملكية بعدد اللقاءات التي تُعقد أو الاتفاقيات التي تُوقّع، وإنما بما تفتحه من أبواب جديدة أمام الدولة، وبما يمكن أن تتركه من أثر طويل المدى على مصالحها الوطنية. ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية محطة مهمة في مسار العلاقات الأردنية الصينية، لأنها لم تكن زيارة بروتوكولية تقليدية، بل حملت في برنامجها ورسائلها ومخرجاتها محاولة واضحة للانتقال بالعلاقة من مستوى الشراكة السياسية والتبادل التجاري إلى شراكة أوسع في الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والاقتصاد والسياحة والطاقة. وقد اختار جلالته أن تكون محطات الزيارة في بكين وشنغهاي وشنجن، وهذدددي دلالة بحد ذاتها على أن الأردن كان يتطلع إلى التواصل مع الصين السياسية، والصين الاقتصادية، والصين التكنولوجية في آن واحد.
ومن هنا تبدأ أهمية الزيارة الحقيقية: الأردن لم يذهب إلى الصين طالباً المزيد من الواردات، بل ذهب باحثاً عن شريك يساعده على بناء قاعدة إنتاجية قادرة على الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية. وهذا ما عبّر عنه جلالة الملك خلال لقاءاته مع الشركات الصينية، حين عرض موقع الأردن الاستراتيجي وبيئة الأعمال المستقرة والقوى العاملة المؤهلة، باعتبارها مقومات يمكن أن تجعل المملكة مركزاً إقليمياً للتصنيع والخدمات والتصدير. وفي بكين، التقى جلالته ممثلي شركات صينية تعمل في قطاعات الطاقة والتعدين والأسمدة والغذاء والصناعات المتقدمة، مع التركيز على توسيع حضورها في الأردن والمنطقة، خصوصاً في القطاعات ذات القيمة المضافة والصناعات التحويلية.
واللافت في هذه الزيارة أن التكنولوجيا لم تكن هامشاً في أجندتها، بل كانت في صلبها. ففي شنغهاي، زار جلالة الملك شركة AgiBot المتخصصة في صناعة الروبوتات، واطلع على تطبيقاتها في الصناعة والخدمات اللوجستية والضيافة والأمن، مؤكداً أهمية التعاون مع الجامعات والمؤسسات الأردنية في تطوير تطبيقات الروبوتات وتبادل الخبرات. وفي شنجن، اطلع جلالته على تقنيات متقدمة في الروبوتات والنقل الجوي والخدمات اللوجستية، والتقى رؤساء شركات تكنولوجية لبحث التعاون في البحث والتطوير والابتكار والتحول الرقمي. وهذه الرسالة شديدة الأهمية: الأردن لا يبحث فقط عن رأس المال الصيني، وإنما عن المعرفة الصينية أيضاً، وعن إمكانية نقل جزء من تجربة الصين التكنولوجية والصناعية إلى الاقتصاد الأردني.
اقتصادياً، تكشف الأرقام حجم الفرصة وحجم التحدي في الوقت نفسه. فبحسب ورقة منتدى الاستراتيجيات الأردني، بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن عام 2025 نحو 6.29 مليار دولار، مقابل صادرات أردنية إلى الصين لا تتجاوز نحو 430 مليون دولار، ما يعني عجزاً تجارياً ثنائياً يقارب 5.86 مليار دولار لصالح الصين. وفي المقابل، بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة التراكمية في الأردن نحو 3.56 مليار دولار خلال الفترة 2010–2025، لكن نحو 89% منها تركز في قطاع الطاقة. ولذلك فإن القضية ليست في استقطاب المزيد من الاستثمار الصيني فقط، وإنما في تنويع هذا الاستثمار وتوجيهه نحو الصناعة والتكنولوجيا والتعدين والصناعات التحويلية والخدمات ذات القيمة المضافة.
نجاح زيارة جلالة الملك لا يُقاس بعدد الاتفاقيات التي وُقعت في بكين، بل بعدد المشاريع والاستثمارات وفرص العمل التي ستولد منها في الأردن.
وهنا تحديداً أرى أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الحكومة والقطاع الخاص معاً: ان نجاح زيارة جلالة الملك لا يجب أن يُقاس بعدد مذكرات التفاهم التي وُقعت، وإنما بعدد المشاريع التي ستولد منها. لقد شهدت الزيارة توقيع مجموعة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم شملت الاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والصناعة وسلاسل التوريد، والطاقة، والموارد المعدنية، والطيران المدني، والسياحة، والعلوم والتكنولوجيا، والزراعة، والإعلام، والبيئة والتغير المناخي، إلى جانب اتفاقية تعاون تنموي تتضمن منحة تقارب 14.7 مليون دولار، وبرنامج يوفر 800 فرصة تدريب للحكومة الأردنية خلال العام الحالي. كما وقعت الملكية الأردنية مذكرة تفاهم مع الخطوط الجوية الصينية لتوسيع التعاون التجاري والتشغيلي، بما في ذلك إطلاق وتشغيل خطوط جوية جديدة.
وفي قطاع السياحة، تفتح الزيارة نافذة مهمة أمام الأردن في سوق صيني هائل؛ فقد بحث جلالة الملك في شنغهاي مع مجموعة Trip.com زيادة أعداد السياح الصينيين إلى المملكة، وتعزيز التسويق الذكي للوجهات السياحية والربط الجوي بين البلدين. كما تضمن البيان المشترك التوجه إلى اتخاذ خطوات عملية لإطلاق رحلات جوية مباشرة بين الأردن والصين. وإذا ما جرى تنفيذ ذلك بكفاءة، فإن المسألة لن تكون مجرد زيادة في أعداد السياح، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى الفنادق والمطاعم والنقل والتسوق والخدمات السياحية والثقافية، وصولاً إلى تعزيز حضور الأردن على خريطة السياحة الآسيوية.
أما سياسياً، فقد حملت الزيارة رسالة لا تقل أهمية عن بعدها الاقتصادي. فالأردن لم يذهب إلى الصين باعتباره يبحث عن بديل لشراكاته الدولية، وإنما باعتباره دولة تريد توسيع خياراتها وتعظيم مصالحها الوطنية وتنويع علاقاتها الدولية. وفي المقابل، أكدت الصين دعمها لأمن الأردن واستقراره ودوره الإقليمي، بينما شدد البيان المشترك على قضايا فلسطين وغزة وحل الدولتين والقدس، وعلى دعم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. وهنا تظهر قيمة الدبلوماسية الأردنية: أن يحافظ الأردن على ثوابته السياسية، وفي الوقت نفسه يفتح نوافذ جديدة للتعاون مع القوى الدولية المؤثرة.
لكن، وبعد انتهاء الزيارة، يبدأ الجزء الأصعب والأهم. فبكين فتحت الأبواب، أما تحويل هذه الأبواب إلى نتائج فيحتاج إلى عمل أردني جاد ومنظم. المطلوب الآن ليس الاكتفاء بالاحتفاء بالاتفاقيات، وإنما إنشاء آلية متابعة واضحة، وتحديد جهة مسؤولة عن تنفيذ كل تفاهم، ووضع جداول زمنية ومؤشرات قابلة للقياس: كم استثماراً صينياً جديداً دخل الأردن؟ كم مصنعاً أُنشئ؟ كم فرصة عمل استحدثت؟ كم ارتفعت الصادرات الأردنية إلى الصين؟ وما حجم التكنولوجيا والمعرفة التي انتقلت إلى المؤسسات والجامعات والشركات الأردنية؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد بعد سنوات ما إذا كانت زيارة جلالة الملك إلى الصين كانت زيارة ناجحة سياسياً فقط، أم أنها أصبحت نقطة تحول اقتصادية حقيقية في مسيرة المملكة. وقد دعا منتدى الاستراتيجيات بالفعل إلى توجيه الاستثمارات الصينية نحو بناء القدرات الإنتاجية ونقل التكنولوجيا وتطوير الموردين المحليين وتعزيز الصادرات.
فالأردن لا يحتاج إلى شراكة صينية أكبر على الورق فحسب؛ بل يحتاج إلى شراكة تُنتج وتُصدّر وتُشغّل وتنقل المعرفة. وإذا نجحنا في ذلك، فإن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لن تُذكر باعتبارها محطة دبلوماسية مهمة فحسب، بل باعتبارها لحظة بدأ فيها الأردن إعادة صياغة موقعه داخل خريطة الاقتصاد الإقليمي والعالمي



