شريط الأخبار
مندوبا عن الأمير الحسن .. وزير الثقافة يوقد شعلة انطلاق مهرجان الفحيص "الأردن تاريخ وحضارة" البدور خلال جولة مسائية في الزرقاء : تقييم الدوام المسائي للمراكز الصحية قبل التوسع في مختلف المحافظات برعاية " الوزير الرواشدة " .. مجلّة "أفكار" تُنظّم ندوةً ثقافية الاثنين المقبل Islamic civilisation’s leading figures take centre stage on Forum’s second day ترامب: أعتقد أن مجتبى خامنئي ما يزال حيًا بوتين والشرع يبحثان هاتفيا توطيد الحوار السياسي والتعاون التجاري الأردن يدين هجومًا إرهابيًا أدى لمقتل واختطاف العشرات في نيجيريا عودة 20 طفلًا و48 مرافقًا إلى غزة بعد استكمال علاجهم في الأردن 3.847 مليار دينار عجز الميزان التجاري الأردني في 6 اشهر إغلاق مركز لياقة بدنية ثانٍ لضبط حقن ببتيدية وهرمونية محظورة الرئيس الصيني شي جينبينغ يزور قرغيزستان الأحد ثم مصر الرئيس الإيراني: نتمسك بالتفاوض وسنواجه بحزم الضغوط الاقتصادية وزير الطاقة يوقّع عقود تنفيذ خطوط تزويد الموقر والروضة الصناعيتين بالغاز الطبيعي ملتقى النخبة يناقش "المبالغة في مظاهر الأفراح" استثنائية النواب الأولى .. إقرار 6 قوانين في 16 جلسة الأمير الحسن يرعى افتتاح "مهرجان الفحيص" الاربعاء تجارة الأردن تبحث مع وفد اقتصادي كيني تعزيز التعاون عمان الأهليّة تهنئ الناجحين بالثانوية العامة وتُعلن عن استمرار القبول والتسجيل بكلية التعليم التقني للفصل الأول 2026-2027 عمان الأهليّة تهنئ الطلبة الناجحين وتُعلن عن استمرار القبول والتسجيل للبكالوريوس والماجستير للفصل الأول 2026-2027 عمّان الأهلية توقّع مذكرة تفاهم مع TDA Jordan لتطوير برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة في الطائرات المسيّرة

إلى أين نمضي بالتعليم ؟ … عودةٌ إلى الفصلين ، وإعادةُ الإعتبار للتخصص والتقييم الحقيقي

إلى أين نمضي بالتعليم ؟ … عودةٌ إلى الفصلين ، وإعادةُ الإعتبار للتخصص والتقييم الحقيقي
الدكتور نسيم أبو خضير
في كل مرة نتحدث فيها عن إصلاح التعليم ، يجب أن نطرح السؤال الأكثر أهمية :
هل نريد نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الإمتحان ، أم نظامًا تعليميًا ينجح فيه الطالب في الحياة ؟
إنَّ تطوير التعليم لا يعني بالضرورة أن نهدم كل ما سبق ونبدأ من الصفر ، فهناك أنظمة وتجارب تربوية أثبتت عبر السنوات قدرتها على بناء الطالب علميًا ومعرفيًا ومهنيًا ، وهناك قرارات تربوية قد تحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة ، بعيدًا عن المجاملة أو الخوف من الإعتراف بأن بعض التغييرات لم تحقق الغاية المرجوة منها .
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نظام العام الدراسي ، والعودة إلى نظام الفصلين في السنة الواحدة ، بما يتيح للطالب وقتًا كافيًا للتعلّم الحقيقي ، والفهم ، والمراجعة ، والتطبيق ، بدل أن يتحول العام الدراسي إلى سباق متواصل مع المناهج والإمتحانات .
إن نظام الفصلين يمنح المدرسة والمعلم والطالب فرصة أفضل لبناء العملية التعليمية بصورة متدرجة ومتوازنة .
فالطالب يحتاج إلى وقت حتى يفهم ، ويخطئ ، ويصحح خطأه ، ويعيد المحاولة ، ويكتسب المهارة .
أما اختزال التعليم في فترات زمنية ضيقة ، أو تحويله إلى سلسلة من الإختبارات المتلاحقة ، فقد يدفع بعض الطلبة إلى التركيز على إجتياز الامتحان بدل امتلاك المعرفة .
والتعليم الحقيقي لا يقاس بعدد الصفحات التي حفظها الطالب ، وإنما بما يستطيع أن يفهمه ، ويحلله ، ويطبقه ، ويستخدمه في حياته .
المواد العلمية … لا يجوز أن تكون هامشًا في الفرع العلمي :
ومن القضايا التي تستحق مراجعة جادة أيضًا إحتساب المواد العلمية لطلبة الفرع العلمي بالصورة التي كانت متبعة سابقًا ، بما يحفظ للفرع العلمي مكانته الأكاديمية ، ويمنح الطالب دافعًا حقيقيًا للجد والإجتهاد في المواد التي تشكل أساس مستقبله الجامعي والمهني .
فالطالب الذي يختار المسار العلمي يجب أن يشعر منذ المدرسة أن الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء ليست مواد إضافية يمكن تجاوزها ، وإنما هي أعمدة أساسية في تكوينه العلمي .
ولا يمكن أن نتحدث عن تخريج أطباء ومهندسين وصيادلة وعلماء ومختصين في التكنولوجيا والعلوم ، ثم لا نعطي العلوم الأساسية الوزن الحقيقي الذي تستحقه في مرحلة التعليم المدرسي .
إذا أردنا جامعة قوية ، فعلينا أن نبني مدرسة قوية .
وإذا أردنا تخصصات علمية متميزة ، فعلينا أن نؤسس لها منذ الصفوف المدرسية .
ومن المقترحات التي تستحق الدراسة بجدية إعادة تصنيف الطلبة في الصف التاسع ، من خلال إمتحان وزاري وطني ، لا بهدف وضع الطالب في قالب جامد ، وإنما بهدف مساعدته على إكتشاف قدراته وميوله واستعداداته الحقيقية .
ويكون التصنيف ، على سبيل المثال :
علمي ، أدبي ، صناعي ، زراعي ، مهني ، تمريضي ، شرعي .
إنَّ الفكرة الجوهرية هنا ليست في أسماء الفروع ، وإنما في إعادة بناء فلسفة التعليم على أساس إكتشاف قدرات الطالب وتوجيهها .
فليس من العدل أن ننظر إلى جميع الطلبة وكأنهم نسخة واحدة .
هناك طالب يتفوق في الرياضيات والعلوم ، وآخر يبدع في اللغة والأدب والتأريخ ، وثالث يمتلك عقلًا هندسيًا ويدويًا متميزًا ، ورابع لديه إستعداد مهني وتقني ، وخامس يجد نفسه في المجال الزراعي ، وآخر يمتلك ميولًا تمريضية أو صحية ، وهناك من يجد ذاته في العلوم الشرعية .
لماذا نُصرُّ على أن يكون النجاح في التعليم محصورًا في طريق واحد ؟
إنَّ قوة الدولة الحديثة لا تقاس بعدد خريجي الجامعات فقط ، وإنما بتنوع الكفاءات التي تمتلكها .
لقد آن الأوان لأن نغيّر النظرة الإجتماعية القديمة إلى التعليم المهني .
فالدولة التي تحتاج إلى الطبيب تحتاج أيضًا إلى الفني ، والمبرمج ، والكهربائي ، والميكانيكي ، والمزارع المتخصص ، وفني التبريد والتكييف ، وفني الأجهزة الطبية ، والممرض ، والحرفي الماهر .
بل إن كثيرًا من الإقتصادات المتقدمة قامت على التعليم والتدريب المهني والتقني ، وجعلت من المهارة والإتقان قيمة إجتماعية واقتصادية حقيقية .
ولهذا فإن توجيه الطالب إلى التعليم المهني أو الصناعي أو الزراعي لا ينبغي أن يُفهم بإعتباره فشلًا في التعليم الأكاديمي ، بل قد يكون إكتشافًا لموهبة وقدرة لا ينبغي أن تُهدر .
لكن الإمتحان الوزاري يجب ألا يكون حكمًا نهائيًا على مستقبل الطالب .
وهنا يجب الإنتباه إلى نقطة تربوية بالغة الأهمية .
إذا أردنا إمتحانًا وزاريًا في الصف التاسع ، فيجب ألا يتحول هذا الإمتحان إلى بوابة تُغلق أمام الطالب إلى الأبد .
فالطفل في هذه المرحلة ما زال في طور اكتشاف ذاته ، وقد تتغير ميوله وقدراته مع مرور السنوات .
لذلك يمكن أن يكون الإمتحان الوزاري أداة توجيه وتشخيص وقياس قدرات ، مع وجود مسارات إنتقالية وفرص لإعادة التوجيه ، حتى لا يتحول الإختيار المبكر إلى ظلم تربوي .
فالهدف ليس أن نقول للطالب : أنت علمي إلى الأبد ، وأنت مهني إلى الأبد ، وإنما أن نقول له :
نحن إكتشفنا قدراتك ، وسنساعدك على بناء المستقبل الذي يناسبها .
نريد مدرسة تكتشف المواهب لا مدرسة تنتظر علامات الإمتحان
التعليم ليس مصنعًا لإنتاج الشهادات .
التعليم هو المؤسسة التي تكتشف عقل الطفل ، وتبني شخصيته ، وتهذب سلوكه ، وتنمي موهبته ، وتغرس فيه الإنتماء والمسؤولية والعمل والإبداع .
ولهذا فإن أي إصلاح تربوي حقيقي يجب أن ينطلق من سؤال جوهري :
ماذا نريد من الطالب بعد أن ينهي المدرسة ؟
هل نريده حافظًا لمعلومات سرعان ما ينساها ؟
أم نريده إنسانًا قادرًا على التفكير ، والحوار ، والعمل ، والإبداع ، وحل المشكلات ، وإحترام الآخر ، وتحمل المسؤولية ؟
إن العودة إلى نظام الفصلين ، وإعادة النظر في وزن المواد العلمية ، ودراسة تطبيق إمتحان وزاري في الصف التاسع لتوجيه الطلبة إلى المسارات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية والزراعية والتمريضية والشرعية ، كلها أفكار تستحق حوارًا وطنيًا وتربويًا واسعًا تشارك فيه وزارة التربية ، والمعلمون ، وأساتذة الجامعات ، وأولياء الأمور ، والخبراء ، والطلبة أنفسهم.
فالتعليم ليس شأنًا إداريًا عابرًا ، وليس ملفًا يخص وزارة واحدة فقط .
التعليم هو الذي يصنع الطبيب ، والمهندس ، والقاضي ، والمعلم ، والجندي ، والمهني ، والمزارع ، والعالم ، والإداري ، والسياسي والمواطن الصالح .
ومن هنا فإن إصلاحه ليس ترفًا ، وإنما إستثمار في مستقبل الأردن .
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نضعها أمام صانع القرار التربوي هي :
لا نريد نظامًا تعليميًا يبحث عن أسهل طريق لنجاح الطالب ، بل نريد نظامًا يكتشف قدراته ، ويصنع منه إنسانًا قادرًا على النجاح .
إنَّ العودة إلى ما أثبت نجاحه لا تعني العودة إلى الماضي ، كما أن التطوير لا يعني التخلي عن كل ما هو قديم .
الحكمة أن نأخذ من الماضي ما نجح ، ومن الحاضر ما أثبت جدواه ، ومن المستقبل ما يحتاجه أبناؤنا .
فإذا أردنا أن نبني الأردن الذي نحلم به ، فعلينا أن نبدأ من المدرسة .
فالمدرسة ليست المكان الذي يتعلم فيه أبناؤنا فقط … بل هي المكان الذي يبدأ فيه تشكيل مستقبل الوطن .