ماهر البطوش
قد لا يتذكر الإنسان كل ما قيل له، ولا كل الوجوه التي عبرت حياته، لكنه يتذكر جيداً من جعله يشعر بأن له قيمة، ومن حفظ كرامته في لحظة ضعف، ومن اختار أن يرفق به حين كان يستطيع أن يقسو عليه. هنا تبدأ الرحمة؛ لا بوصفها كلمة تُقال، بل أثراً يتركه الإنسان في نفوس الآخرين، وقد يبقى هذا الأثر أطول من الموقف نفسه.
الرحمة ليست ضعفاً، ولا تراجعاً عن الحق، ولا قبولاً بالخطأ، وإنما هي أن يمارس الإنسان قوته بعقل، وحزمه دون قسوة، واختلافه دون إساءة. وهي أن يعرف متى يكون شديداً في الحق، ومتى يكون رحيماً في التعامل، وألا تتحول القدرة على العقاب إلى رغبة في الانتقام. فالرحمة تهذب السلوك قبل أن يحتاج الأمر إلى القانون، وتجعل الإنسان يرى في الآخر كرامة تستحق الاحترام.
وحين تسكن الرحمة الإنسان فإن أول مكان يظهر فيه أثرها هو الأسرة؛ فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كيف يتعامل مع الخطأ والاختلاف والضعف. أب يربي ابنه دون إهانة، وأم تحتوي خوف طفلها، وزوجان يدركان أن الخلاف لا يبرر التجريح؛ كلها مواقف تصنع إنساناً أكثر اتزاناً وقدرة على احترام الآخرين. ولهذا قرر الدستور الأردني في المادة (6/4) أن "الأسرة أساس المجتمع" وأن قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، وأن القانون يحفظ كيانها ويقوي أواصرها وقيمها، كما أوجب في المادة (6/5) حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة ورعاية النشء وذوي الإعاقة وحمايتهم من الإساءة والاستغلال.
ومن الأسرة تنتقل الرحمة إلى المجتمع؛ فالإنسان الذي تعلم أن يحترم ضعف الآخرين، ويضبط غضبه، ويختلف دون إهانة، يحمل هذه القيم معه إلى المدرسة والجامعة والعمل والشارع. وقد تكون الرحمة في موقف يبدو صغيراً: أن تصغي لمن يتحدث، أو تعذر من أخطأ، أو تساعد محتاجاً، أو تمتنع عن كلمة تعرف أنها ستؤلم إنساناً. لكنها حين تتكرر تتحول من سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية، وتصنع مجتمعاً أكثر تماسكاً وأقل قسوة.
وهنا تلتقي الرحمة بالقانون. فالرحمة لا تعني تجاوز القانون، وإنما تعني أن يبقى الإنسان حاضراً عند تطبيقه. وقد قرر الدستور الأردني في المادة (7/1) أن "الحرية الشخصية مصونة" ونصت المادة (8/2) على أن من تُقيد حريته "تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان" وحظرت تعذيبه أو إيذاءه بدنياً أو معنوياً. ومن هنا فإن احترام الإنسان لا يسقط عندما يُحاسب، والالتزام بالقانون لا يبرر القسوة، وهيبة السلطة لا تحتاج إلى إهانة من يقف أمامها.
فالعدالة تحمي الحق، والرحمة تحفظ الإنسان. ولا تعني الرحمة التفريط بحقوق المظلوم أو التساهل مع المعتدي، وإنما تعني أن تمارس الحقوق والسلطات في حدود القانون، دون أن تتحول القوة إلى أداة للإذلال، أو يتحول تطبيق القانون إلى انتقام. فالإنسان قد يستحق المساءلة عن خطئه، لكنه لا يفقد بسبب ذلك كرامته الإنسانية.
وتزداد أهمية الرحمة عندما تصل إلى مؤسسات الدولة؛ فالمواطن قد لا يحصل دائماً على ما يريد، لأن القانون قد يجيز أو يمنع، لكنه يستحق في كل الأحوال أن يُعامل باحترام. الموظف الذي يشرح ولا يهين، ورجل الأمن الذي يطبق القانون ويحفظ الكرامة، والقاضي الذي يصون حقوق الخصوم، والطبيب والمعلم وكل من يتعامل مع الناس في موقع مسؤولية؛ هؤلاء لا يمثلون أنفسهم فقط، بل يتركون في نفوس الناس صورة عن المؤسسة التي ينتمون إليها.
ولهذا فإن الرحمة ليست قيمة أخلاقية خاصة بالفرد وحده، وإنما يمكن أن تصبح ثقافة أسرية واجتماعية ومؤسسية. وهي لا تنافس القانون، بل تمنحه بعده الإنساني؛ لأن القانون يضع الحدود التي تحمي الحقوق، بينما الرحمة تجعل الإنسان أكثر وعياً بكيفية التعامل داخل هذه الحدود دون أن يؤذي غيره.
وفي النهاية قد لا نستطيع تغيير حياة كل إنسان نلتقيه، لكننا نستطيع أن نختار الأثر الذي نتركه فيه. قد تكون كلمة منك سبباً في طمأنة إنسان، وموقف رحيم منك سبباً في أن يستعيد ثقته بالناس، وامتناعك عن القسوة الشيء الوحيد الجميل الذي يذكره شخص عن يومه. فالرحمة لا تُقاس فقط بما نقدمه للآخرين، بل بما نمنعه عنهم من ألم. وقد ينسى الناس ما قلناه وما فعلناه، لكنهم لن ينسوا كيف جعلناهم يشعرون.
وإذا كان القانون يحمي الإنسان من الظلم، فإن الرحمة تمنعنا من أن نكون نحن مصدره.
فكن رحيماً ما استطعت؛ لأن الرحمة ليست ضعفاً في الإنسان، بل قوة تهذّب قدرته على الفعل، وتحفظ للآخرين كرامتهم، وتترك في النفوس أثراً قد يبقى عمرًا كاملاً.




