خليل قطيشات
في مدينة السلط، حيث تتعانق الحجارة الصفراء مع ذاكرة المكان، وتبقى الحكايات حاضرة في تفاصيل البيوت والأزقة، برز اسم الأديب والشاعر الأردني هاشم القضاة بوصفه واحدا من أبناء جيل ترك بصمة واضحة في المشهد الثقافي والاجتماعي والوطني، وجمع في مسيرته بين الكلمة المبدعة والمسؤولية العامة والعمل الاجتماعي.
ارتبط القضاة بالسلط ارتباطا وجدانيا عميقا، وحوّل هذا الانتماء إلى نصوص شعرية حملت ملامح المدينة ومكانتها في الذاكرة الأردنية، ومن أبياته التي عبّرت عن اعتزازه بها: «تسمو النجوم ولا تطال سماك.. سلط العلا سبحان من أسماك»، كما حضرت السلط في شعره الشعبي والهجيني بصورة نابضة بالحنين، ومن ذلك قوله: «يا سلط يا بنية البستان.. وبيوتها ع جبل عالي»، لتصبح المدينة في تجربته الشعرية أكثر من مكان، بل ذاكرة وهوية ووجدان.
ولم يحصر هاشم القضاة حضوره في عالم الشعر، بل انتقل بإبداعه إلى المسرح، متناولا قضايا الإنسان والمجتمع ومراحل مهمة من الحياة الأردنية. وتبرز مسرحية «أولاد الحراثين» كأحد أبرز أعماله، لما حملته من توثيق فني لمرحلة من تاريخ مدينة السلط، وما عكسته من صور الكفاح والحياة الاجتماعية لأبنائها، في عمل جمع بين القيمة الأدبية والبعد التوثيقي.
وفي ميدان العمل الاجتماعي، كان القضاة من الشخصيات التي أسهمت في تأسيس وترسيخ تجربة جمعية السلط الخيرية، وكان من أعضائها المؤسسين وتولى منصب نائب رئيسها لسنوات طويلة، حيث ارتبط اسمه بما عرف بـ«وثيقة السلط الشعبية»، التي مثلت تجربة مجتمعية في التكافل وتنظيم العلاقة بين أبناء المدينة، ووجدت صدى واسعا على المستويين الشعبي والرسمي.
أما في مسيرته الوظيفية، فقد تدرج هاشم القضاة في مواقع المسؤولية العامة، وصولا إلى منصب الأمين العام لوزارة البريد والاتصالات، قبل أن تتسع تجربته لتأخذ بعدا عربيا ودوليا من خلال عمله في السلك الدبلوماسي مستشارا إقليميا للاتحاد البريدي العالمي في الدول العربية، حيث أقام في القاهرة لسبع سنوات، وأسهم في تمثيل الأردن في المحافل ذات الصلة.
وتبقى تجربة هاشم القضاة شاهدة على شخصية جمعت بين الأدب والإدارة والعمل العام، وحملت اسم السلط إلى فضاءات متعددة، فكان شاعرا كتب المدينة بحبر الانتماء، ومسرحيا حفظ جانبا من ذاكرتها، وشخصية اجتماعية أسهمت في خدمة مجتمعها، ومسؤولا عاما ودبلوماسيا أدى دوره خارج حدود الوطن.
إنها سيرة رجل لم يكتف بأن يكتب عن السلط، بل جعل من حضوره جزءا من ذاكرتها؛ فحين يلتقي الشعر بالمسؤولية، وتلتقي الثقافة بخدمة المجتمع، تولد أسماء لا تنتهي حكايتها بانتهاء المناصب، بل تبقى في ذاكرة المكان والوطن.




