آخر الأخبار
موقع القلعة نيوز الاخباري بحلته الجديدة باللغتين العربية والانجليزيةأورنج الأردن تدعم مهارات الشباب القيادية عبر رعاية ثلاث مؤتمرات لنموذج الأمم المتحدةالبنك التجاري الأردني يحتفي بأوائل الثانوية العامة لعام 2026 ويؤكد التزامه بدعم التعليم والتميزدراسة تكشف كيف تصنع السلطة الفروق بين الرجال والنساءالنائب العموش: 136 أردنيًا يتناوبون على مناصب الدولةالشاشات أشد تأثيراً على نمو الأطفال من الفقر.العيسوي يلتقي وفدا من أبناء عشيرة العبداللاتالمستقلة للانتخاب والأمن العام يبحثان الاستعدادات للانتخابات المقبلةجمعة: نعتذر للشعب الأردني عما حدث في بث مباراة سوريااليابان ترفع العقوبات عن جهات حكومية وشركات نفطية سورية
رأي

ليس كل مسؤول يخسر منصبه يكون قد خسر معركته

* من ذاكرة الإدارة العامة

منذ شهرين3 دقائق قراءة
التحكم بالخط:

تمر السنوات سريعاً، لكن بعض المواقف تبقى عالقة في الذاكرة وكأنها حدثت بالأمس؛ ليس لأنها شهدت قراراً مصيرياً فحسب، بل لأنها تكشف للإنسان حقيقة العلاقة بين ما يؤمن به، وبين طبيعة السلطة وصناعة القرار. وقد تعلمت خلال سنوات الخدمة العامة أن المنصب لا يدوم لأحد، لكن المسؤول لا يملك ترف الصمت عندما يرى ما يعتقد أنه يمس مصلحة عامة.

في عام 2023، دُعيت للمشاركة في اجتماع لمجلس السياسات العامة لمناقشة واقع قطاع النقل العام في الأردن والتحديات التي تواجهه. وقدمت خلال الاجتماع رأياً مهنياً حول ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وما ترتب عليه من زيادة في الكلف التشغيلية، واقترحت استمرار الدعم الحكومي للمشغلين، مع وضع آلية تضمن مواءمة قيمة الدعم مع أي ارتفاع في أسعار الوقود، حتى لا تنتقل الكلفة في النهاية إلى المواطن من خلال رفع أجور النقل.

كنت أرى أن حماية استقرار النقل العام ليست دعماً لمشغل أو مستثمر، وإنما حماية لقطاع حيوي يمس حياة المواطن اليومية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة. ولم يكن ما طرحته موقفاً سياسياً أو اعتراضاً على سياسة الحكومة، وإنما نصيحة مهنية قدمتها انطلاقاً من مسؤوليتي، وإيماناً مني بأن من واجب المسؤول أن يضع أمام صاحب القرار ما يراه مناسباً لحماية القطاع والمواطن؛ وهو النهج الذي تعلمته خلال خدمتي في جهاز الأمن العام، حيث كانت النصيحة المهنية والحرص على المصلحة العامة جزءاً أصيلاً من المسؤولية.

دار النقاش بيني وبين رئيس الوزراء آنذاك، الدكتور بشر الخصاونة، حول ما طرحته، وكان يرى أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية مرتبط بالأسعار العالمية، وهو أمر كنت أدركه، لكنني كنت أرى أن ذلك لا يمنع من إيجاد آليات للتخفيف من آثاره على القطاعات الحيوية. وقد بدا لي من طبيعة الرد أن ما طرحته فُهِم على أنه انتقاد للحكومة، بينما كنت أقدمه من موقعي المهني وباعتباره نصيحة هدفها حماية قطاع النقل العام والمواطن. ولم أكن أتوقع أن تكون تلك الجلسة آخر محطة لي في إدارة هيئة النقل البري.

بعد انتهاء الاجتماع، انعقد مجلس الوزراء، وصدر قرار بإنهاء خدماتي من الهيئة. لم أشعر يومها بأنني خسرت منصباً، فالمناصب بطبيعتها مؤقتة، لكنني أدركت أن المسؤول قد يواجه أحياناً امتحاناً أصعب من إدارة المؤسسة نفسها: هل يستطيع أن يحافظ على استقلال رأيه المهني عندما يختلف مع صاحب القرار، أم أن ثمن الاختلاف قد يكون مغادرة المنصب؟

* قد يغادر الإنسان موقعه في يوم واحد، لكن الموقف الصادق يبقى في ذاكرة الوطن سنوات طويلة.

واليوم، وبعد أن هدأت ضوضاء الأحداث، لا أجد في نفسي رغبة في محاسبة أحد، ولا في تصفية حساب مع الماضي. فالحكومات تتغير، والمسؤولون يرحلون عن مواقعهم، والمناصب تنتهي، أما الدولة فتبقى. ولهذا لا أكتب هذه التجربة دفاعاً عن نفسي، وإنما دفاعاً عن فكرة أؤمن بها: أن الاختلاف في الرأي المهني يجب أن يبقى مساحة للنقاش، لا سبباً يدفع المسؤول إلى الصمت، وأن النصيحة التي تُقدَّم من أجل المصلحة العامة ينبغي أن تُناقش بالحجة، لا أن تتحول إلى سبب لخسارة موقع المسؤولية.

إن الدول التي تمنح الخبراء والمسؤولين مساحة ليقولوا ما يرونه صحيحاً، حتى عندما تكون النصيحة غير مريحة، هي الدول الأقدر على تصحيح أخطائها وبناء مؤسسات أكثر قوة. فقوة المؤسسات لا تكون بإسكات الرأي المختلف، وإنما بقدرتها على الاستماع إليه ومناقشته قبل اتخاذ القرار. وقد تعلمت من تجربتي أن الوظيفة العامة مرحلة، أما الأمانة فمسؤولية، وأن قيمة المسؤول لا تُقاس بمدة بقائه في منصبه، وإنما بقدر ما حافظ على نزاهة رأيه وأدى واجبه كما يمليه عليه ضميره.

لهذا أكتب هذه السطور باعتبارها شهادة من تجربتي في الإدارة العامة، لا لإدانة أحد، ولا لإعادة فتح صفحات الماضي، وإنما لإضاءة جانب من ذاكرة الإدارة العامة في الأردن

فالمناصب تنتهي، والحكومات تتغير، لكن الدولة تبقى

قد يخسر الإنسان منصباً بسبب موقف، لكنه لا يخسر بالضرورة معركته إذا كان قد حافظ على أمانته.


المزيد في قسم مقالات

الأكثر قراءة

الأخبار العاجلة

كن الأول في معرفة آخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ على اطّلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام و سياسة الخصوصية.
+962