لقد كان خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم صرخة ملكية هاشمية للعالم ليرى حقيقة واقع مؤلم طالما غاب مشهده عن نظر وعيون العالم أجمع، كان تذكيرة وتنبيها، ورسالة قوية حملت في طيات سطورها وكلماتها، ونيرات صوت جلالته، ونظرات عيونه، وإيماءت وجهه، حقيقة مرة مؤلمة عاناها ويعانيها الشعب الفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي، وقد جعل جلالته جل كلمته عن غزة والضفة الغربية والشعب الفلسطيني وفي هذا دلالة واضحة الأركان وشامخة البنيان، أنه قائد أمة لا قائد وطن فحسب، فهو القائد الذي لا يكذب وطنه وشعبه وأمته، فاهتمام العظماء بالعظام، وأي قضية أعظم من قضية فلسطين الحزينة، والقدس الجريحة، والمسجد الأقصى الأسير، ولا عجب وهو حارس الوصايا على القدس والمقدسات، فكانت القضية الجوهرية والمحورية القضية الفلسطينية، حاضرة في ضميره، لأنها ضمير الأمة وهو فارسها وقائدها، جاءت هذه الصرخة الهاشمية لتحرك سواكن العالم ليسمع ويرى سلسلة الجرائم المتلاحقة والتي لا تتوقف التي يمارسها العدو والتي دبرت بليل ونفذت في وسط النهار تحت غطاء الشرعية والقانون، وبحجج واهية هزيلة عرجاء، أو إخطارت مريضة فارغة كفؤاد أم موسى، ليبصر العالم حجم الجريمة بل سلسلة الجرائم التي يقوم بها عدو يتمثل بالاحتلال الإسرائيلي، ويساعده ويسانده العالم لأن الأمر عندما يتعلق بالاحتلال الإسرائيلي يأخذ بعدا أخرا، لأنهم أوهموا العالم على مر التاريخ أنهم شعب المحبة والرحمة والتقدم والحضارة والسلم، وهم قتلة الأطفال والشيوخ والنساء مع إبرامهم للعهود والمواثيق، لكنهم في واقع الحال لا يرقبون في مؤمن ولا عربي ألا ولا ذمة، يعشقون الدماء وإزهاق النفوس كما يعشق العربي والمسلم حقنها "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، فكان خطاب جلالته هزة تصدعت لها أبواب و أروقة الجمعية، ليوقظ ضمير العالم ويبصر الحقائق كما هي، بعيدا عن مكياج وإخراج الاحتلال الإسرائيلي، بعيدا عن قلب الحقائق والتزوير الممنهج الذي يسعى لطمس الحقائق .
ثم بين جلالته بكل وضوح مدى اهتمامه بغزة والضفة الغربية وهما من أول أولويات اهتمامات جلالته، حيث قال جلالته: " ولا ننسى غزة. على مدى عقود، لطالما وقفت أمام هذه الجمعية العامة وحذرت من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل، لكن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع، بدلا من التصدي لحله".
ثم أسهب جلالته بالحديث عن غزة والضفة الغربية والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني على أرضه من جراء السياسات الإسرائيلية المجحفة والمتغطرسة من خلال:
الانتهاكات الإسرائيلية والظلم، تجاهل القانون الدولي، وضرب جلالته مثال حيا لمثل هذه الانتهاكات فقال: "في غزة، إن الأدلة دامغة: ففي أول 300 يوم مما سمي بوقف إطلاق النار، استشهد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني. وتم استهداف المستشفيات الميدانية الأردنية هناك" وبين جلالته بأن الهدف من هذه السياسة الإسرائيلية الظالمة هي: محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة، تحول جذري للوضع في الضفة الغربية، وما يتعرض له الفلسطينيون من الضرب وإطلاق النار والترهيب، وحرق منازلهم وتدمير ممتلكاتهم، وتهجير عائلات من أراضيها، وهدم المنازل بغرض توسيع المستوطنات غير القانونية وهو ترحيل قسري، والاستيلاء على الأراضي المحتلة، ومنظومة نقاط التفتيش والحواجز الخانقة، والهجمات الممنهجة على التجمعات السكانية الفلسطينية، حماية المعتدين أو ينضمون إليهم. كما يمنعون سيارات الإسعاف من الوصول إلى الجرحى، ويستهدفون صحفيين دوليين كانوا يحاولون نقل الحقيقة. وسياسة واحدة تهدف إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه، وهو ما يسمى بالتهجير القسري، وهو جريمة حرب.
هذه الأهداف الشيطانية التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي لتحقيقها بهذه الغطرسة المتعفنة والأساليب الملتوية الظالمة، التي ذكرها جلالة الملك بدقة متناهية، ليعلم العالم كله حجم أطماع الاحتلال الإسرائيلي، وأساليبهم الهمجية القذرة، ليدرك العالم مساحة المعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وليقوم المجتمع الدولي بواجباته والتزاماته القانونية والأخلاقية والإنسانية ليرفع الظلم عن الفلسطينيين، ويقف في وجه الاحتلال الإسرائيلي .
ثم ذكر جلالته بكل شفافية جادة بأن طريق حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلا عدة تدابير وإجراءات واعتقادات صحيحة بعيدا عن الوهم، فقال جلالته: "حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، يجب على العالم أن يتخلى عن بعض الأوهام، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن غزة والضفة الغربية قصتان منفصلتان. والهدف واحد: جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمرا مستحيلا.
وهناك وهم آخر يتمثل بالاعتقاد بأن رفض القيادة الإسرائيلية للدولة الفلسطينية هو موقف قابل للتغيير. لن يتغير، بل يجري تكريسه على الأرض" .
ولم يغفل خطاب جلالته عن الواقع الملتهب في المنطقة، يقول جلالته: "نحن نشهد تبعات هذا الإهمال كل يوم؛ ففي منطقتي، من لبنان إلى اليمن، مرورا بالسودان، تؤدي النزاعات الممتدة إلى تفاقم المعاناة الإنسانية"، وأشار جلالته إلى انعكاسات السياسات العالمية وفي مقدمتها الغطرسة الإسرائيلية، حيث قال جلالته: "وإذا كان لدى أي شخص أدنى شك في أن الأزمة في منطقتنا تظل محصورة فيها، فما عليه سوى النظر إلى فواتير الطاقة والمواد الغذائية للأسر العادية في مختلف بقاع العالم: من مومباي إلى مدريد إلى مينيسوتا. أظهرت حرب إيران مدى سرعة تأثير انعدام الاستقرار على تعطيل حركة التجارة والاستثمار وحياة الناس، خارج حدود المنطقة".
ثم تحدث جلالته عن الوهم الأكبر والأخطر، ليوهموا العالم بأن العرب لا يريدون سلاما، بل هم من يثيرون قلاقل الحروب، لأنهم متعطشون للدماء وسياسات القتل والتنكيل، وأن الشعب الإسرائيلي شعب وديع مسالم، فيدسون السم في العسل، فقال جلالته: "لكن الوهم الأخطر هو الاعتقاد بأن الدول العربية لم تسعَ يوما للسلام. فمبادرة السلام العربية، في عام 2002، عرضت على إسرائيل تطبيع العلاقات مع 57 دولة عربية ومسلمة، شملت إيران والعراق في حينها، مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية" .
كما بين جلالته خداع الاحتلال الإسرائيلي بتحول ركب الصراع ووجهته، فقال: "كما سعت إلى تصوير الصراع على أنه حرب أديان، الإسلام في جهة، واليهودية والمسيحية في الجهة المقابلة. لكنه ليس صراع أديان. إنه صراع حول ما إذا كان الفلسطينيون – مسلمون ومسيحيون – يستحقون الحقوق ذاتها التي يتمتع بها الآخرون".
وقد تطرق جلالته إلى سبب وصول الوضع لهذا الحد المتهالك، وبين تقاعس العالم عن القيام بمسؤولياته، فقال جلالته: "لأن التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجا عن قلة في الخيارات. دعونا نسمي الأمور بمسمياتها: هذا التقاعس هو خيار". وقد تحدث جلالته عن الخيارات لكبح جماح هذه السياسات المتعجرفة الظالمة، فقال جلالته: "نمتلك الأدوات: كالعقوبات، وتجميد الأصول، وفرض الحظر، والعزل الدبلوماسي" .
وتحدث جلالته عن تعاطف العالم مع الجلاد ضد الضحية، تعاطف العالم مع الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، ويغمض كلتا عينيه عن جرائم العدو، فقال جلالته: " لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تبقى القرارات حيث بدأت: حبرا على ورق. والنتيجة هي دولة بلا رادع" .
وقد حذر جلالته العالم أجمع من أطماع الاحتلال في المنطقة ليكون العالم على حذر من هذه السياسة التوسعية، مما يعقد المشهد الإقليمي، ويدفع إلى مزيد من الحروب وإراقة الدماء وإزهاق النفوس، فقال جلالته: "الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديدا إقليميا. واليوم، تمثل سوريا إنذارا يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباها. فهناك توغلات متكررة، وتوسع جغرافي يتمدد، وحقائق جديدة يتم فرضها على الأرض، منها ما يمس مصادر مائية حيوية" .
ثم تحدث جلالته عن الأردن مهوى الفؤاد، وأرض الآباء والأجداد، أرض الكرامة، وموئل الأحرار، تحدث جلالته عن التهديدات التي يتعرض لها سواء على أرضه أو مائه، ومصالح شعبه، وبين بكل عزم وأقتدار موقف الأردن من ذلك، موقفا حاسما، بأننا سنحميه بالمهج والأرواح، وبكل غال ونفيس؛ لأنه الأغلى، وهي رسالة تحذيرية لكل من تسول له نفسه بالاقتراب من تراب الوطن ومقدراته، فقال جلالته: "أما بالنسبة للأردن، فالأمر واضح كالشمس: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا" .
وقد بين جلالته موقف الأردن بأشقائه وأخوانه، ووحدة المصير المشتركة التي تربط الجميع، في لفاف واحد متين العرى، فالكل ينطلقون من مشكاة واحدة، فقال جلالته: "نحن نعزز الروابط من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال دورنا كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، بينما نتصدى للأزمات الإنسانية الطارئة" .
ثم بين دور الأردن وموقفه من الإرهاب، وما يحمله من أفة المخدرات، فقال جلالته: "نحن نتصدى للإرهاب في المنطقة وخارجها، بينما نطور قدراتنا الدفاعية لنبقى جبهة في مواجهة تهديدات كتهريب المخدرات" .
وأشار جلالته بأن الديانة المسيحية جزء من النسيج الوطني، وأن الأردن يؤمن بالتنوع وتعدد الثقافات، يجمعنا على أرضه العامل المشترك بناء الأردن الأنموذج، في إطار الحب والتسامح، فقال جلالته: "نحن نحمي المسيحية – مجتمعاتها وإرثها – في موطنها الأصلي والتاريخي، بينما ندافع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه أصوات الكراهية" .
وأكد على العديد من الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها دعم الصمود الشعب الفلسطيني، ودعم الأونروا، فقال جلالته: "وخلال ذلك كله، لن نتخلى عن التزامنا بالسلام العادل. سنستمر في دعم الصمود الفلسطيني. وسنستمر في دعم الأونروا" .
ومن هذه الثوابت الوطنية الوصاية الهاشمية، هذا الإرث العربي الهاشمي، فقال جلالته: "وسنستمر في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس" .
وبين جلالته الرؤية التي يسعى الأردن لتحقيقها من الأردن الأنموذج، والانفتاح والثبات مستندا إلى القيم والمبادئ والدين والأعراف، والحوار والعمل المشترك من أجل السلام، فقال جلالته: "يسعى الأردن لبناء نموذج مختلف.. نموذج يستند إلى القيم والمبادئ، ويتسم بالانفتاح والثبات، في زمن يندر فيه اليقين وتتبدل فيه الحسابات السياسية من يوم إلى آخر". وقال جلالته: "الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه: وفيّ لمبادئه، ملتزم بمواقفه، مستعد للحوار مع الجميع، ومستعد للعمل مع كل من يسعى للسلام" .
وفي ختام خطابه بين جلالته الحقيقة التي لابد أن يعلمها الجميع، فقال: "ولا يمكن للقوة العسكرية أن تقدم حلولا فاعلة. لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام. كما لا يمكنها إصلاح كوكبنا، أو إدارة موجات الهجرة، أو قيادة التطور التكنولوجي".
وأضاف جلالته قائلا: " كيف تتحقق هذ الرؤى من خلال المؤسسات الشرعية، وبناء الثقة من خلال النظرة الواعية الحصيفة لمستقبل أفضل، فقال جلالته: " كل ذلك يتطلب مؤسسات لديها الشرعية، ويتطلب وجود الثقة.. الثقة بين الدول، والثقة في الاتفاقيات، والثقة بأن القوانين ستطبق فعليا" .











































