شريط الأخبار
وزير الشباب يبحث ونظيره وزير الرياضة والشباب السوري التعاون الشبابي والرياضي المشترك الإعلام والاستثمار في صدارة جلسات مؤتمر "الدبلوماسية بين الإعلام والاقتصاد" قرارات مجلس الوزراء / تفاصيل القوات المسلحة تجلي دفعة جديدة من أطفال غزة المرضى للعلاج في المملكة المصري: خفض مديونية البلديات من 630 إلى 285 مليون دينار إقرار الخطَّة المعدَّلة لأداء المملكة في مؤشِّر الابتكار العالمي نظام جديد يعزز الحوكمة والاستقلالية ويضمن العدالة الرياضية الحكومة: استبدال 15 ألف مدفأة غير آمنة بأخرى آمنة للأُسر المستحقَّة مجلس الوزراء يقرر تمديد العمل بدعم الصَّادرات الزِّراعيَّة وزير الرياضة والشباب السوري يزور صرح الشهيد في عمّان الصفدي يبحث مع نظيره التركي المستجدات الإقليمية والتطورات في غزة مسؤول إيراني: خدمة الإنترنت ستعود تدريجياً الرئيس عبيدات في العناية الطبية بوضع حرج وذووه ينفون وفاته فرنسا "لا تعتزم تلبية" دعوة ترامب لمجلس السلام في هذه المرحلة تشييع جثمان اللواء المتقاعد إبراهيم محمد خلف الصرايرة رئيسة وزراء الدنمارك: "أوروبا لن تخضع للابتزاز" وزير النقل يبحث تطوير منظومة نقل متعدد في لواء البترا وزير الخارجية يبحث مع نظيره السعودي التطورات في المنطقة نواب يطالبون بتأخير دوام المدارس الحكومية يوم 1 شباط 2026 "مالية الأعيان" تطلع على عمل صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي

الفاهوم يكتب : ‎المرأة الأردنية شريكٌ أصيل في صناعة التحديث الوطني الشامل

الفاهوم يكتب : ‎المرأة الأردنية شريكٌ أصيل في صناعة التحديث الوطني الشامل
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
حين يُطرَح مشروع التحديث الوطني الشامل في الأردن بوصفه مسارًا متكاملًا سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا، فإن المقصود ليس مجموعة إصلاحات متجاورة، بل رؤية عميقة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الاقتصاد والمواطنة، وبين التعليم والإنتاج، وبين المشاركة السياسية والمسؤولية العامة. في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المرأة الأردنية باعتبارها فئة مستهدفة ضمن هذا المشروع، بل بوصفها ركيزة تأسيسية لنجاحه واستدامته، إذ إن أي مسار تحديثي يتجاهل نصف رأس المال البشري أو يحدّ من فاعليته محكوم عليه بالتعثر، مهما بلغت جودة سياساته أو طموح خططه. لقد أثبتت التجربة الأردنية، كما تؤكدها المؤشرات التعليمية والاجتماعية، أن المرأة كانت ولا تزال عنصرًا فاعلًا في بناء المجتمع، غير أن هذا الحضور لم ينعكس دائمًا بالقدر نفسه في المجالين الاقتصادي والسياسي. ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع تمكين المرأة لا كقضية حقوقية معزولة، بل كخيار وطني مرتبط مباشرة بجودة النمو الاقتصادي وعمق الإصلاح السياسي وكفاءة الإدارة العامة.

فالتحديث الاقتصادي، في جوهره، يقوم على رفع الإنتاجية وتعظيم الاستفادة من الكفاءات المتاحة، ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل مشاركة اقتصادية محدودة للنساء، خاصة وأنهن يشكّلن نسبة متقدمة من خريجي الجامعات والتخصصات النوعية. إن تغييب هذه الطاقات عن سوق العمل لا يعني فقط خسارة فردية، بل خسارة مركبة تطال الأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني بأكمله، وتنعكس على معدلات الفقر والبطالة والاستقرار الاجتماعي.

ويتصل هذا البعد الاقتصادي اتصالًا وثيقًا بالتحديث السياسي، الذي لا يُقاس فقط بتعديل القوانين أو إعادة هيكلة النظم الانتخابية، بل بمدى قدرة هذه المنظومة على توسيع المشاركة العامة وبناء تمثيل يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع. فالمرأة الأردنية، حين تُمنح الفرصة العادلة للمشاركة السياسية، لا تضيف رقمًا إلى معادلة التمثيل، بل تسهم في إثراء الخطاب العام وتوسيع أولويات العمل الوطني، بما يشمل قضايا التنمية المحلية، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وهي مجالات تشكّل جوهر العقد الاجتماعي الحديث. إن الحضور السياسي الفاعل للمرأة يعزز ثقة المجتمع بمؤسساته، ويعيد تعريف السياسة بوصفها خدمة عامة لا ساحة إقصاء أو احتكار.

ولا ينفصل هذا كله عن مسار التحديث الإداري، الذي يهدف إلى رفع كفاءة الجهاز الحكومي وتحسين جودة الخدمات العامة وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة. فالمرأة الأردنية ليست فقط مستفيدة من تطوير هذه الخدمات، بل شريكًا أساسيًا في تصميمها وتنفيذها وتقييم أثرها، خاصة في ظل تزايد حضورها في مواقع الإدارة والاختصاص. وقد أثبتت التجارب المقارنة أن إشراك النساء في مواقع صنع القرار الإداري ينعكس إيجابًا على حساسية السياسات العامة لاحتياجات المجتمع، وعلى قدرتها على الاستجابة العادلة والمتوازنة للفئات المختلفة، الأمر الذي يعزز الثقة بين المواطن والدولة، وهي ركيزة لا غنى عنها لأي مشروع تحديثي ناجح.

وفي هذا الإطار، تتجلى أهمية المرجعيات الوطنية التي وضعت تمكين المرأة ضمن سياق استراتيجي واضح، يربط بين العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، ويحوّل المبادئ العامة إلى سياسات قابلة للقياس والمتابعة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المرجعيات لا تكمن في نصوصها وحدها، بل في قدرتها على إحداث تغيير فعلي في الواقع، من خلال إزالة العوائق الهيكلية التي ما زالت تحد من مشاركة المرأة، سواء كانت تشريعية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية. فالتحديث الحقيقي لا يكتمل بإقرار القوانين، بل يبدأ حين تُترجم هذه القوانين إلى فرص متكافئة ومسارات مهنية واضحة وحماية حقيقية في بيئات العمل والمشاركة العامة.

ومن هنا يبرز الدور المحوري للمؤسسات الأكاديمية، وفي مقدمتها جامعة اليرموك، عبر مركز الأميرة بسمة لدراسات المرأة الأردنية، الذي يشكّل نموذجًا لربط المعرفة الأكاديمية بالسياسات العامة والاحتياجات المجتمعية. فالمركز لا يؤدي وظيفة بحثية أو تدريبية فحسب، بل يضطلع بدور وطني يتمثل في إنتاج معرفة رصينة حول واقع المرأة الأردنية، وتحليل التحديات التي تواجهها، واقتراح حلول عملية تستند إلى الأدلة والبيانات، بما يسهم في توجيه القرار العام وتعزيز فعالية برامج التحديث. إن هذا التكامل بين الجامعة والمجتمع والدولة هو أحد المؤشرات الأساسية على نضج مشروع التحديث وقدرته على الاستفادة من الخبرات الوطنية.

وعليه، يمكن القول إن المرأة الأردنية ليست موضوعًا يُناقش على هامش مشروع التحديث الوطني الشامل، بل فاعلًا رئيسًا في صياغته وتنفيذه وتقييم نتائجه. فنجاح التحديث الاقتصادي مرهون بمشاركتها الإنتاجية، وترسيخ التحديث السياسي يتطلب حضورها الطبيعي في المجال العام، وتعميق التحديث الإداري يستند إلى دورها القيادي في تحسين السياسات والخدمات. وحين يُنظر إلى المرأة من هذا المنظور الشامل، يصبح تمكينها تعبيرًا عن نضج الدولة وثقتها بمجتمعها، ودليلًا على أن التحديث لم يعد شعارًا مرحليًا، بل خيارًا وطنيًا واعيًا يستثمر في الإنسان بوصفه الغاية والوسيلة معًا.