القلعة نيوز- يشكل الصيد الجائر أحد أبرز التحديات البيئية التي تهدد التنوع الحيوي واستدامة النظم البيئية وحماية الحياة البرية، بما له من آثار اقتصادية واجتماعية على المجتمع المحلي والسياحة البيئية.
ومع تزايد الضغوط البشرية على الموارد الطبيعية، برزت أهمية حماية الحياة البرية وتعزيز الوعي المجتمعي للحفاظ على الموروث الطبيعي للكائنات الحية.
وخلال السنوات الماضية، شهدت جهود مكافحة الصيد غير القانوني في الأردن تطورًا ملموسًا، سواء على مستوى التشريعات والقوانين، أو على مستوى الرقابة الميدانية والتقنيات الحديثة، بمشاركة فاعلة من الجمعيات البيئية، أبرزها الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، والجهات الحكومية المعنية، والمجتمعات المحلية.
وقد أثمرت هذه الجهود في الحد من حجم المخالفات وتعزيز دور الصيادين الملتزمين في نقل ثقافة الحفاظ على البيئة للأجيال المقبلة. وبينما تشير بيانات ميدانية للجمعية العلمية الملكية لحماية الطبيعة إلى تراجع نسبي في حجم المخالفات، يحذر مختصون في حديث لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) من مخاطر ما تزال تهدد التنوع الحيوي والحياة البرية، في ظل التغير المناخي، وتوسع النشاط البشري، وضعف ردع بعض العقوبات القانونية.
وفي هذا السياق، قال المدير العام للجمعية الملكية لحماية الطبيعة، فادي الناصر، إن مشكلة الصيد الجائر في الأردن، لم تعد بالحجم الذي كانت عليه في السابق، وتشهد تناقصًا ملحوظًا خلال السنوات الخمس الماضية، استنادًا إلى أرقام المخالفات والمتابعات الميدانية التي تنفذها الجمعية.
وأوضح الناصر أن هذا التراجع يعود إلى مجموعة من العوامل، أبرزها ارتفاع مستوى الوعي لدى شريحة واسعة من الصيادين بأهمية الحفاظ على الموروث الطبيعي من الكائنات الحية، إضافة إلى تعاون عدد كبير منهم في نقل هذه الثقافة إلى صيادين آخرين، خصوصًا الجدد.
وأشار إلى أن الدور الرقابي شهد تطورًا نوعيًا من خلال شراكات مع مؤسسات وطنية متعددة، بعضها موجود أصلًا في مناطق الصيد، وأخرى معنية بالمتابعة والرقابة العامة.
وأضاف أن الجمعية عملت على توظيف التكنولوجيا الحديثة في متابعة قضايا الصيد، بما في ذلك التخصص في رصد الجرائم الإلكترونية المتعلقة بالصيد غير القانوني، والاستعانة بطائرات (الدرونز) عند الحاجة، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية مستمرة للجهات المعنية بتطبيق القانون.
وبيّن الناصر أن تطوير القوانين والتشريعات الناظمة للصيد خلال السنوات الماضية، إلى جانب التعاون المحلي والإقليمي، أسهم أيضًا في الحد من الصيد الجائر، إلا أنه لفت إلى أن بعض العقوبات، رغم تعديلها عام 2015، ما تزال غير رادعة بالشكل الكافي مقارنة بحجم المخالفة، وهو ما يتسبب في تكرار بعض الانتهاكات، مطالبًا بمراجعة هذه العقوبات وتغليظها.
وأشار إلى أن التوسع السكاني وتغير أنماط الأنشطة البشرية في مناطق كانت مقصداً للصيد أسهما في تقليل ممارسات الصيد الجائر، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن هذا التغير أدى إلى حصر البيئات الطبيعية وتقليص أعداد الأنواع البرية، ما يشكّل خطرًا طويل الأمد على انتشارها مستقبلًا إذا لم يُدار وفق أسس علمية مدروسة.
كما لفت إلى أن التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، واختلاف معدلات الهطول المطري، أسهمت في الحد من تكاثر الأنواع البرية، خصوصًا المقيمة منها، ما أدى إلى تراجع نشاط الصيد بشكل عام، إلا أن أثر ذلك يشابه أثر الصيد الجائر في تقليص أعداد الكائنات الحية. وأضاف أن الارتفاع النسبي في كلفة رحلات الصيد خلال السنوات الأخيرة ساهم بدوره في الحد من هذه الممارسات.
وحول أخطر أشكال الصيد الجائر، أكد الناصر أن صيد الأنواع المهددة بالانقراض عالميًا يُعد الأخطر، لا سيما عندما يقترن بأنشطة الاتجار بالحياة البرية أو منتجاتها، إضافة إلى الممارسات التي تؤدي إلى تدمير البيئات الطبيعية.
وأوضح أن الجمعية الملكية لحماية الطبيعة تنفذ برنامجًا وطنيًا للتفتيش خارج المحميات الطبيعية، من خلال مفتشين إقليميين موزعين في مختلف مناطق المملكة، وبالتعاون مع شركاء وطنيين وفق برامج عمل محددة. كما تنفذ برنامجًا آخر داخل المحميات الطبيعية، يعتمد على كوادر من أبناء المجتمعات المحلية المؤهلة والخبرة في العمل التفتيشي.
وأشار إلى أن الجمعية مفوضة رسميًا منذ عام 1973 بتطبيق المواد القانونية المتعلقة بحماية الطيور والحيوانات البرية، والمنصوص عليها حاليًا في المادة (56) من قانون الزراعة رقم 13 لسنة 2015، مؤكداً وجود تنسيق مستمر مع وزارة الزراعة، والإدارة الملكية لحماية البيئة، ومؤسسات وطنية أخرى.
وفيما يتعلق بدور التكنولوجيا، أكد الناصر أن الجمعية بدأت بإصدار رخص الصيد الإلكترونية، وتوثيق ومتابعة أعمال المفتشين إلكترونيًا، إلى جانب استخدام طائرات الدرونز ورصد ما يُنشر عبر المنصات الرقمية من مخالفات متعلقة بالصيد، وتحويلها إلى الجهات المختصة، مشيرًا إلى وجود أفكار تطويرية إضافية مرتبطة بتوفر التمويل.
وشدد الناصر على أهمية دور المجتمعات المحلية باعتبارها شريكًا أساسيًا في برامج الحماية، مستعرضًا تجارب ناجحة أسهمت في حماية المناطق الطبيعية واستدامة الجهود. كما أكد أن الإعلام شريك محوري في نقل المعلومات بدقة وموضوعية، محذرًا من نشر معلومات غير موثوقة تسعى إلى الإثارة على حساب الحقائق، لما في ذلك من إنكار لجهود وطنية امتدت لسنوات.
من جهته، قال أستاذ الهندسة البيئية والمدنية في جامعة الحسين بن طلال، عمر الخشمان، إن الصيد الجائر ما يزال يشكل تحديًا بيئيًا خطيرًا في الأردن، لما له من آثار سلبية متراكمة على التنوع الحيوي، وانعكاسات اقتصادية واجتماعية واسعة.
وأوضح أن الصيد غير المنظم أسهم في انقراض أكثر من ستة أنواع من الثديات في المملكة، فيما تواجه نحو 39 بالمئة من الأنواع البرية المتبقية خطر الانقراض، ما يهدد استدامة النظم البيئية ويخل بالتوازن الطبيعي.
وأشار إلى أن الجهات المختصة اتخذت إجراءات متعددة للحد من هذه الظاهرة، من خلال تنظيم مواسم الصيد، وفرض رخص رسمية، وتطبيق عقوبات قانونية تشمل الغرامات والحبس ومصادرة الأسلحة والمركبات، إلى جانب تكثيف الرقابة وحماية المحميات الطبيعية وتنفيذ حملات توعوية للمجتمعات المحلية، مؤكدًا أن هذه الجهود بحاجة إلى تعزيز وتوسيع.
ولفت الخشمان إلى أن دمج التشريعات البيئية مع التكنولوجيا الحديثة، مثل التطبيقات الرقمية وأنظمة المراقبة المتقدمة، أسهم في تحسين كفاءة ضبط المخالفات، وتعزيز المشاركة المجتمعية من خلال الإبلاغ المباشر عن الانتهاكات البيئية.
وأكد أن الصيد الجائر، إلى جانب التغير المناخي، يشكلان تهديدًا مباشرًا للتنوع الحيوي والسياحة البيئية في الأردن، داعيًا إلى تشديد تطبيق القوانين، وتوسيع المحميات الطبيعية، ودعم الدراسات العلمية والمراقبة البيئية المستمرة، بما يضمن استدامة الموارد الطبيعية وحماية الحياة البرية للأجيال المقبلة.
--(بترا)




