شريط الأخبار
عشرات الاصابات في ديمونة جراء هجوم صاروخي إيراني رابطة العالم الإسلامي تدين الاعتداء الإسرائيلي على بنى تحتية عسكرية جنوب سوريا الإدارة المحلية: غرف العمليات تتابع الحالة الجوية بالتنسيق مع كافة الجهات هيئة الإعلام تعمم قراراً بمنع النشر في حادثة وفاة طالبة بالجامعة الأردنية كاتس: وتيرة الضربات على إيران "ستزداد بشكل كبير" في الأيام المقبلة هجوم بطائرة مسيرة يستهدف مقر جهاز المخابرات العراقي وسط بغداد هجوم أميركي إسرائيلي على منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في إيران الارصاد تحذر من السيول مع استمرار الأمطار والعواصف الرعدية روايات من خط النار..أبطال معركة الكرامة يستعيدون لحظات الحسم الجيش: 36 صاروخاً ومسيرة إيرانية استهدفت الأردن في الأسبوع الثالث من الحرب الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 51 مسيّرة في المنطقة الشرقية خوري عن وزراء سابقين: يحاولون التعويض بالصراخ والتهجم إيران: مستعدون لدراسة أي مبادرة يمكن أن تنهي الحرب بشكل كامل 32 منزلاً في أحد أحياء قرية كتم بإربد بلا طريق معبد منذ 2019 عاجل هجوم أميركي إسرائيلي على منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم في إيران عاجل مقتل ضابط في الهجوم على مقرّ جهاز المخابرات في بغداد 595 زائرا للبترا خلال أول أيام عيد الفطر الديوان الملكي الهاشمي ينشر صورة في ذكرى معركة الكرامة ولي العهد ينشر صورة عبر انستغرام بذكرى معركة الكرامة انخفاض جديد أسعار الذهب في الاردن

السيوري تكتب: الكرامة: حين تُهزم الجيوش وتنتصر الإرادة

السيوري تكتب: الكرامة: حين تُهزم الجيوش وتنتصر الإرادة
القلعة نيوز:
بقلم نانسي السيوري

في الحادي والعشرين من آذار عام 1968، لم تكن معركة الكرامة مجرد مواجهة عسكرية محدودة في الجغرافيا، بل كانت لحظة مفصلية أعادت تعريف ميزان الصراع في الوعي العربي، بعد الانكسار العميق الذي خلّفته حرب 1967. في تلك اللحظة، لم يكن الرهان على استعادة الأرض بقدر ما كان على استعادة المعنى؛ معنى القدرة على الفعل، وعلى كسر وهم التفوق المطلق.

لقد استطاع الجيش العربي الأردني، في تناغمٍ مع الفدائيين، أن يفرض معادلة مختلفة على الجيش الإسرائيلي: أن الحسم العسكري ليس نهاية السياسة، وأن الإرادة المتجذرة في الأرض قادرة على إرباك أكثر الجيوش تنظيمًا وتسليحًا. وهنا تحديدًا، ولدت الكرامة بوصفها مفهومًا يتجاوز الميدان، ويتسلل إلى عمق البنية الفكرية للصراع.
فالكرامة لم تكن انتصارًا تقليديًا يُقاس بعدد الخسائر أو المكاسب، بل تحوّلًا في تعريف القوة ذاتها. لقد انتقلت من كونها احتكارًا للأدوات الصلبة، إلى كونها قدرة مركبة تشمل الصمود، وإدارة الزمن، وتوظيف الرمزية في إعادة تشكيل الوعي. بهذا المعنى، كانت الكرامة بداية تفكيكٍ لمنطق الهيمنة، لا على الأرض فقط، بل في العقل.
غير أن الخطر يكمن في تحويل الكرامة إلى ذكرى جامدة، تُستدعى في المناسبات وتُفرغ من مضمونها النقدي. فالقيمة الحقيقية لهذه اللحظة التاريخية تكمن في قدرتها على أن تكون أداة تحليل للحاضر، لا مجرد مادة للاحتفاء بالماضي. واليوم، في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيدات وصراعات، خاصة ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، تعود الكرامة كإطار تفسيري يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يُعاد إنتاج الإرادة في زمن تتبدل فيه أشكال السيطرة؟
إن الصراع المعاصر لم يعد محصورًا في المواجهة العسكرية المباشرة، بل انتقل إلى مستويات أكثر تعقيدًا: صراع على الرواية، وعلى الوعي، وعلى تعريف الحقيقة ذاتها. لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل على من يملك حق تفسير ما يجري. وفي هذا السياق، تصبح الكرامة فعلًا معرفيًا بامتياز؛ مقاومة لمحاولات التزييف، وإصرارًا على إنتاج خطاب مستقل لا يخضع لمنطق القوة المفروضة.
وفي الحالة الأردنية، لا يمكن فصل الكرامة عن معادلة دقيقة تجمع بين الثبات السياسي والبراغماتية الواقعية. فالأردن، بحكم موقعه وتكوينه، لا يملك ترف الانفصال عن الإقليم، ولا القدرة على الذوبان فيه. وهنا، تتجلى الكرامة كسياسة توازن: الحفاظ على الاستقرار الداخلي دون التفريط بالموقف، والانخراط في تعقيدات الواقع دون فقدان البوصلة الأخلاقية.
لكن التحدي الأعمق يكمن في إعادة تعريف الكرامة ضمن شروط العصر. فالعالم اليوم لا يُدار فقط بالقوة العسكرية، بل بشبكات التأثير: الإعلام، الاقتصاد، التكنولوجيا، وإدارة السرديات. ومن هنا، فإن الكرامة لم تعد تعني فقط القدرة على المواجهة، بل أيضًا القدرة على البناء؛ بناء وعيٍ قادر على التمييز، ومجتمعٍ قادر على الصمود، ومؤسساتٍ قادرة على حماية المعنى من التآكل.
إن الدرس الأكثر راديكالية الذي تقدمه الكرامة هو أن الهزيمة ليست حدثًا عسكريًا بقدر ما هي حالة ذهنية. وحين تُكسر هذه الحالة، حتى دون حسمٍ ميداني كامل، يبدأ ميزان القوة بالتحول. لذلك، فإن استدعاء الكرامة اليوم لا يجب أن يكون استدعاءً عاطفيًا، بل فعلًا نقديًا يعيد مساءلة الواقع، ويبحث في إمكانيات تغييره.
في النهاية، الكرامة ليست حدثًا وقع وانتهى، بل سؤال مفتوح: كيف يمكن لشعبٍ أن يحافظ على إنسانيته في وجه العنف، وعلى وعيه في وجه التضليل، وعلى إرادته في وجه الإخضاع؟ وبين هذا السؤال ومحاولات الإجابة عليه، تستمر الكرامة… لا كذكرى، بل كفعلٍ تاريخي لا ينطفئ.