ولد الهدى...
الحلقة الثالثة والعشرون ..
القلعة نيوز-ابراهيم أبو حويلة
سلسة من إضاءات في حياة سيد الخلق صل الله عليه وسلم ، تسعى لإضاءة جوانب مختلفة من حياته، تهدف إلى إحداث نقله من الفهم النظري إلى التطبيق العملي، الذي قد يخرجنا ويخرج الأمة من هذا الوضع الذي نعيش فيه.
بين مصلح ونبي...
هناك من يطرحون الكثير من الأسئلة، ويتلطفون في المراعاة والمداراة والإقناع، ولديهم صبر وإرادة عجيبة، ورعاية إلهية، ومع ذلك قد ينجحون وقد لا ينجحون...
قال: "تقصد الأنبياء، وهل يستطيع النبي أن يتخلى عن مهمته؟ تشعر بأنه خرج بقطيع من الأغنام، وأن لا مناص له إلا أن يعود به سالماً إلى مأمنه، قد يقبل ببعض الخسائر ولكنه يسعى لسلامة القطيع..."
قلت: "نعم، يبدو أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين مفهوم الرعاية والرعي، وبين مفهوم أن تقدر على أن تسيطر على القطيع وتحميه هنا، وبين أن تسوس الجماعة وتسيرها هناك، نوع من توافق..."
قال: "كأن هنا جزئية مرتبطة بين الذات وبين الوجود في الجماعة أو في المجتمع كما تقول..."
قلت: "أفكر أحياناً كثيرة في هذا، بين صناعة الإنسان بذاته المستقلة القادرة على التمييز بين الصواب والخطأ..."
تلك الذات المستقلة بضمير منفصل وقدرة أخلاقية مرتفعة، ولها ميزانها واستقلالها، ولديها القدرة على اتخاذ القرار، وعلى التنفيذ عندما يكون القرار صواباً، وعلى عدم التنفيذ عندما يكون القرار ظلماً أو تجاوزاً أو سرقة، وعندما لا يتفق القرار مع الضمير الإنساني الراقي، فإنه لا ينفذ...
وبين تلك القدرة على البقاء في الجماعة وتحقيق أهدافها التي تنسجم مع الرسالة العليا للبشرية...
فالإنسان بدون الجماعة كلٌّ لا فائدة منه، وفرديته عبء عليه وعلى المجتمع، وبالتالي تلك الحكمة بين الفردية والجماعة هي التي تحقق المصلحة العليا للجميع، وبنفس الوقت فإن هذه الجماعة هي الضامن من الوقوع في الخطأ أو التجاوز أو الظلم، وكل ذلك بسبب ضميرها الراقي المرتفع...
قال: "فاضلة، أفلاطون، المدينة المسحورة أو الملعونة أو المفقودة، أطلانتس قد ابتلعها البحر يا صديقي..."
قلت: "مدينة فاضلة سواء لأفلاطون أو لغيره، والسعي إليها هو واجب العقلاء والحكماء والمفكرين والمصلحين والأنبياء والرسل..."
قال: "والخالق يستطيع بكن أن يضع حداً لكل هذا، ولكنه لا يفعل..."
قلت: "هل يجب أن تتدخل إرادة الله في هذه المواقف التي تتعلق بتجاوزات البشر؟ هل يجب أن يكون هناك تدخل مباشر كلما انحرف الإنسان عن المنهج؟ وأين ستصبح إرادة الإنسان المستقلة وقدرته على اتخاذ القرار وتحمل العواقب، عندما يعلم بأن هناك إرادة تتدخل كلما أراد أن يعمل عملاً، وهذه الإرادة تصوبه كلما أخطأ؟ هل هي قدرة قادرة على اتخاذ القرار سواء كان صائباً أم خاطئاً، أم هي جبرية بلا حرية؟ من المواقف التي وقفت عندها حائراً، قصة ذلك الفتى الذي قتله الخضر برفقة موسى، ولو أراد الخالق لم يطلعنا على القصة أصلاً، ولكنه أطلعنا..."
قال: "ولماذا وقفت حائراً عندها..."
قلت: "ربما بسبب كن التي أثرتها يا صديقي، الخالق يعلم ما سيكون عليه الفتى، والأبوين صالحان، وهو يريد أن يستبدله بخير منه، ولكنه يستطيع بكن بدون أن يسبب الفقد لوالديه، ذلك الفقد المؤلم، والقتل للصبي هو يستطيع بكن أن يصلح حاله ويجعله من خير البشر، باراً بوالديه وصالحاً، ولكن أين الإرادة المستقلة؟ أين تلك القدرة على اتخاذ القرار؟ أين الحساب على الأفعال؟ وأين... وأين..."
معضلة...
قلت: "ثم بعد ذلك أدركت أن الأمر متروك للبشر في اتخاذ القرار، وفي اتباع أي سبيل يريد، ولو غير الله قلب هذا الصبي بكن، لاصبح كل الأمر مثار سؤال: لماذا هذا؟ ولماذا ليس والد نبي الله إبراهيم أو ابن نبي الله نوح أو عم النبي أبو طالب؟ لماذا تتدخل الإرادة الإلهية هنا ولا تتدخل هناك؟ ولماذا تحاسب البشر لاحقاً إذا تدخلت هنا؟ وهي تستطيع أن تتدخل لتصلح أي قلب فاسد من قلوب البشر، عندها يصبح القلب الفاسد ليس مشكلة لصاحبه فقط، ولكن مشكلة لمن يملك إصلاحه ولم يتدخل لإصلاحه..."
قال: "عجيب، هذه القلوب خلقت بإرادة مستقلة، وهي تختار مصيرها بإرادتها، وأي تدخل هنا هو في الحقيقة تدخل في هذه الإرادة، والقدر ليس لتغيير المصير، ولكن هو علم ومعرفة للمصير. فمصيرك أنت من قرره، وأنت من ستحاسب عليه حتى لو كنت والد أفضل نبي أو عمه أو حتى ابنه..."
قلت: "وقفت هنا حائراً، هل ما وصلت إليه صحيح أم لا؟ لا أدري، ولكني أجده عادلاً ومقبولاً بالنسبة لي، لا يجب للإرادة الإلهية أن تتدخل هنا، حتى وهي قادرة، وذلك لتحقيق العدل للجميع. ويبدو أن العدالة والحرية أسمى من مصير فرد، قد يكون الفرد مهما لنبي أو رسول، نعم، ولكن العدالة أسمى. وفي هذا أيضاً حكمة، فهناك من تساءل لماذا الرسالة والنبوة جاءت في بيت واحد وفي نسل واحد بعد النبي إبراهيم عليه السلام تحديدا، ولكن حتى في هذا البيت كان هناك مؤمن وكافر، وكان هناك من يستحق أن يحمل الرسالة، وهناك من تبت يده وفعله وقوله..."
قال: "العدالة أسمى، ولذلك ترى أن من العدل أن يترك الأمر للإنسان ليقرر بدون أن يكون هناك تدخل في قراره، لا أكره في الدين، وأن ما يمارسه المجتمع هو في الحقيقة عدم ترك الحرية للفرد في الاختيار، فيخرج علينا أشباه من هنا وهناك، وهذه الأشباه هي المسؤولة عن كل هذه المعاناة التي يعيشها البشر، كما أرادت محاكم التفتيش أن تحول المسلمين واليهود إلى المسيحية، فتحول منهم جزء ظاهرياً، والبعض الآخر نسي حتى كيف كان قبل هذا التحول وما كان يعبد أصلاً، فلا هو أخذ الجديد، ولا بقي على العهد القديم، ولكن هذا لم يقنع القساوسة، ولما لم ينجحوا في تحويلهم إلى المسيحية، اعتبروا الفساد في الدم وليس في المعتقد. وبالتالي من تحول حتى وإن تحول فهو فاسد، فهو أظهر شيئاً، ولكنه في الحقيقة ما زال يبطن شيئاً آخر، وحباً في هذا الشيء الآخر لم يتحول، فهو فاسد حتى وإن تحول عن دينه في سبيل إرضائهم، ويقتل إن بقي على دينه. ولك أن تحاول حل هذه المعضلة..."
قلت: "ويا ليت الأمر وقف هنا، مع أن اليهودية لم تعرف الراحة في أوروبا إلا في إسبانيا، في ظل حكم المسلمين لإسبانيا. وبعد أن سقط حكم المسلمين هناك، قامت للمسلمين واليهود محاكم تفتيش وقتل وتعذيب، حتى فرّ من فرّ إلى المغرب العربي ولاحقاً إلى هولندا. وما أسرع ما نسي اليهود ما فعله لهم المسلمون حيث أووهم وحموهم من بطش محاكم التفتيش، وما أن قامت النازية في ألمانيا حتى ظهرت محاكم تفتيش جديدة لليهود، ولكن بدل أن ينتقم اليهود ممن أقام لهم محاكم التفتيش، جاؤوا ينتقمون من المسلمين ويقتطعون جزءاً من أرضهم يحتلونها بقوة الحديد والنار، ويذيقون أهلها ألوان العذاب والتشريد، وتمت سرقة الأرض والبيوت والمال، مع أن المسلمين هم في الحقيقة وحدهم من وقف مع اليهود في هذه المحنة، وليس مع اليهود وحدهم، فقد ذكر التاريخ بأن عفو المسلمين طال الإسبان أنفسهم، فقد عفا ملوكهم عن ثلاثين ألف أسير، وكان من ضمنهم ملوك وأمراء، ولكن ما لبث هؤلاء أن جمعوا أمرهم وأنفسهم وأغاروا على المسلمين من جديد، بل كانوا السبب في زوالهم من الأندلس. يقولون: إنك إن قعت ذنب الأفعى لا بد أن تتبع الذنب الرأس، وإلا لحقك الأذى، ويبدو أن المسلمين دفعوا ثمن هذا الموقف أكثر من مرة، فلا التسامح وقع في أهله، سامح ولكن كن مستعداً فقد يقع السماح في غير أهله..."
قال: "وبعدها، هل توقف العالم عن هذه الممارسة البشعة، أم أنه ما زال القوي يأكل الضعيف ويستبيح ماله وأرضه وعرضه..."
قلت: "طبعاً لن يتوقف القوي عن أكل مال الضعيف وسرقته وسرقة مقدراته، وما زادت البشرية عن أن قننت هذه السرقات تحت مسميات مختلفة، فتارة تعمير، وتارة شركات دولية، وتارة صندوق النقد الدولي، وتارة وتارة. ولو قام العدل في الأرض لأكل الناس جميعاً وشبعوا وعاشوا حياة رغيدة مليئة بالرفاهية، ولكن الطمع يخلق الحقد والرغبة في الاحتلال والغصب والسرقة، وبعدها يشتعل في نفس الضعيف الرغبة في الثأر من هذا الذي يسرق ماله وأرضه. وهكذا، كما قلنا، تستمر معاناة البشر جيلاً بعد جيل، ولكن هل سيأتي جيلاً يلقي كل ما تقوم به الشعوب من ظلم واستغلال خلف ظهره، ويحرص على نشر العدل بعد أن ملئت الأرض ظلماً..."
قال: "وهل كانت الحقوق بين الشعوب يوماً مبنية على العدالة..."
قلت: "أو قل، هل بنيت الشعوب يوماً إلا على الخرافات وخلق الأعداء والتخويف من الآخر، والسعي إلى السيطرة عليه وقمعه وفرض ما تؤمن به فئة حاقدة حاسدة على هؤلاء الأغيار، وهل كان أشباه الرجال ممن يدعون أنهم رجال دين، وأشباه المفكرين الذين يدعون بأنهم يحملون فكراً، ولكنه في الحقيقة فكراً ممسوخاً، ويمارسون سلطات بشكل فارغ من الحكمة والعدالة تهدف إلى تجميع القطيع وتوجيه هذا القطيع إلى حيث يريد هؤلاء، وحتى لو ارتفع صوت هنا أو هناك بأنه هذا باطل وهذا لا يجوز، فما أسهل أن يتم القضاء عليه، ليصبح صوت الباطل هو الصوت المرتفع. ومن أجل من؟ من أجل مصلحة من يقود القطيع؟ وكم تذهب تضحيات وأرواح من أجل هؤلاء، وكم تقع شعوب وشعوب تحت الاحتلال والقهر والسلب من أجلهم..."
وبعد زمان طويل وتضحيات الكثير من الرجال الذين يحملون المعاول فيضربون بها هذه الأصنام القائمة والمتحكمة بهذه الشعوب، والتي تسرق تعبها وجهدها وتضحياتها، وتمارس لأجل ذلك قمعاً مشتركاً على المعارضين من شعبها وعلى غيرها من الشعوب التي تسعى لسرقتها واحتلالها. وبعد أن تعظم التضحيات وترى الشعوب حقيقة هذه التضحية، وأن هذه الشعوب ليست سوى عبيد في الحقيقة في خدمة أفكار خبيثة وخرافات واهية، وهذه الفئة من السادة تمارس في الحقيقة نوعاً من السرقة والغصب، عندها تبدأ تلك الفئة تنادي بصوت يعلو مرة بعد مرة بأن هنا يوجد شيء ما خاطئ، في هذه الأفكار أخطاء، وأننا نضحّي في الحقيقة من أجل أشخاص ومصالح، وليس من أجل شعوب ومبادئ، وبعدها تبدأ هذه الفئة تحارب حتى من كان السبب في هذه الأفكار، حتى لو كان ديناً، فتكون النتائج عكسية، وتصبح هذه التصرفات الباطلة، والتي استغلت الدين لمصالحها الخاصة، سبباً في نفور الناس من الدين وممن دعا إلى هذه الدعوات، وكان السبب فيها، وهذا ما حدث، وتظهر في المجتمع أصوات أخرى ترفع من شأن هذا مرة وتخفض من شأن ذلك مرة، وهكذا تكون هذه الدعوات سبباً في وعي الناس وإدراك الحقيقة، ولكن بعد زمن يطول أو يقصر، وينفر الناس ممن استغلهم لأجل مصالحه، وهو يدعي بأن هذه التضحية من أجل الدين أو دولة أو حق. وما ظهر في أمريكا بعد احتلال فيتنام هو من هذا القبيل، ولاحقاً ينفرون من الحروب والساسة ومن الدين أيضاً...
ومع ذلك، يبقى للأخلاق سلطة ومرتبة عالية لدورها في الحفاظ على المجتمع وقيمه وقدرته على الاستمرار والمواجهة، فيسعى الجميع إلى إعلاء مرتبتها وفصلها عن كل ما سواها، وذلك للغرض الذي ترتبط به من المحافظة على استدامة المجتمع واستمراره ونهضته وتطوره...
قال: "لذلك ترى أن للأخلاق مكانة عليا في المجتمع، وهي إما أن ترقى بالمجتمع إذا انتشرت فيه قيم العدل والمساواة والشفافية، أو تهبط به إذا انتشرت فيه قيم العنصرية والكراهية والكذب والخداع إلى الدرك الأسفل..."
قلت: "فجر جديد على وشك أن يولد هنا، ويبدو أن شهريار قد أعياه التعب ونال منه التعب، يا شهرازاد..."
قال: "حسناً، للننام..."
لن تكون المناقشات مع هذا الصديق عادية، بل حياة قائمة على هذه الروح المتطلعة إلى المعرفة، وسيبقى كلما نفذت منه المعاني والأفكار باحثاً هناك عن شيء جديد، عن مفهوم جديد. هؤلاء الذين يحيون بهذه الطريقة لن تكون حياتهم عادية ولا سهلة في يوم ما...
إبراهيم أبو حويله...




