الدكتور: سلطان الشياب
تُفهم السردية التاريخية بوصفها بنية تفسيرية يعاد عبرها تشكيل الماضي في إطار
حكائي منظم، يستند إلى تفاعل معقد بين الوقائع التاريخية وآليات البناء السردي، بما يسهم في
إنتاج دلالات ومعانٍ تتجاوز مجرد العرض الوصفي للأحداث.
في إطار بدايات التأريخ في الأردن، تشكّلت منذ تأسيس الإمارة حركة أدبية وعلمية
وسياسية نشطة، قوامها نخبة من الزعماء والمثقفين الذين التفوا حول الأمير عبد االله الأول.
وقد تحولت الإمارة الناشئة إلى مقصد للزعامات الوطنية والضباط العرب الذين غادروا
الجيش العثماني من مختلف الأقطار العربية، وكان العديد منهم يمتلكون تكوينا علميا راسخًا
وخبرات إدارية وعسكرية اكتسبوها خلال خدمتهم في الدولة العثمانية، وقد انعكس هذا
الحضور المبكر للنخب في ظهور تمثل في المذكرات والسير الذاتية واليوميات التي دونها
عدد من الإداريين إنتاج توثيقي مهم والقادة العسكريين المشاركين في تلك المرحلة وأسهمت
هذه الكتابات على اختلاف توجهاتها ومرجعيات أصحابها، في تأريخ تلك الحقبة وتوثيق
أحداثها من منظور معاصر لها.
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتزايد الصراع على الرواية
والذاكرة والهوية، لم يعد توثيق التاريخ فعلًا معرفيا محايدا فحسب، بل أصبح يشكل ساحة
لصراع الوعي تتداخل فيها الأبعاد السياسية والثقافية والمعرفية بما يجعل السردية التاريخية
عنصرا جوهريا في بناء الوجود الثقافي للأمم ومن هذا المنطلق تأتي أهمية إطلاق مشروع
لتوثيق السردية الأردنية بوصفه مشروعا وطنيا استراتيجيا يهدف إلى ترسيخ الرواية الأردنية
باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الوعي الجمعي، وصون الهوية الوطنية، وتعزيز حضور
2
الذاكرة التاريخية بوصفها عنصرا تأسيسيا في تشكيل الانتماء. وتُعد السردية الأردنية، في هذا
السياق، إطارا معرفيا يقوم بدور الدفاع الثقافي والرمزي، إذ تسهم في حماية الذاكرة الجمعية
وتثبيت عناصر الهوية، ولا تقتصر وظيفتها على التوثيق التاريخي فحسب، بل تمتد لتشمل
بناء رؤية مستقبلية تستند إلى ذاكرة وطنية متماسكة.
وقد برزت أهمية هذا المشروع من خلال الدعوة إلى توثيق السردية الأردنية بمشاركة
مؤسسات المجتمع المختلفة، بما يجعلها مرجعية معرفية للأجيال القادمة. ويهدف المشروع إلى
توثيق تاريخ الأرض الأردنية والإنسان الذي عاش عليها ضمن مسار زمني ممتد لأكثر من
مليونين ونصف المليون عام، وصولًا إلى نشوء الدولة الأردنية الحديثة، وذلك وفق إطار
علمي أكاديمي دقيق. ويستند هذا التوثيق إلى نتائج بعثات أثرية ودراسات علمية متخصصة
أثبتت وجود نشاط بشري مبكر في مناطق متعددة من الأردن، من خلال اكتشاف أدوات
صوانية تعود إلى عصور موغلة في القدم، جرى تأريخها باستخدام الطبقات الجيولوجية
والوسائل المخبرية الحديثة، بما يعزز مكانة الأردن بوصفه أحد أقدم مواطن الاستقرار
البشري .
وتتولى الجهات المختصة الإشراف على تنفيذ المشروع من خلال هيكل علمي منظم
يضم لجانًا متعددة التخصصات في مجالات الآثار والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا، تعمل
وفق منهجية بحثية صارمة تقوم على التحقق من المصادر التاريخية المعتمدة، ونتائج التنقيبات
الأثرية، والروايات الشفهية بعد إخضاعها للتمحيص العلمي. ويهدف هذا الإطار المنهجي إلى
ضمان الدقة والموضوعية في بناء المحتوى النهائي للسردية الوطنية. وفي هذا السياق، ينظر
إلى المشروع باعتباره تعبيرا عن مسار وطني متصل من الإنجاز، يعكس تراكم التجربة
3
التاريخية للدولة، ويؤكد أن بناء الهوية عملية مستمرة وليست حدثًا منجزا في لحظة زمنية
محددة.
كما يسهم المشروع في تعزيز صون الهوية الوطنية من خلال تقديم قراءة علمية
متسلسلة للمراحل التاريخية الممتدة من عصور ما قبل التاريخ وحتى الحاضر، بما يسمح بفهم
تطور الإنسان على هذه الأرض وتراكم الحضارات وتعاقبها دون انقطاع. ويأتي ذلك في ظل
الحاجة إلى مواجهة التحديات التي تفرضها البيئة الرقمية المعاصرة، وما قد ينتج عنها من
تعدد في الروايات أو إعادة إنتاج لمعلومات غير دقيقة، الأمر الذي يجعل من التوثيق العلمي
الدقيق ضرورة معرفية لحماية الوعي العام وصون الذاكرة من التشويه أو الاجتزاء.
وفي إطار تعزيز المشاركة المجتمعية، يتيح المشروع المجال أمام المواطنين
للمساهمة في بناء السردية الوطنية من خلال منصات تفاعلية مخصصة لتوثيق الروايات
والتجارب الفردية، على أن تخضع جميع المواد المقدمة لمراجعة علمية دقيقة من قبل
مختصين لضمان موثوقيتها، بما يعزز مبدأ الشراكة في إنتاج المعرفة التاريخية. كما يسهم
المشروع في دعم وعي الأجيال الجديدة من خلال ربطهم بالرموز الوطنية والنماذج
الحضارية المضيئة وتعزيز إدراكهم لمسار الهوية الوطنية بوصفها نتاجا تاريخيا ممتدا ومتعدد
الطبقات.
ويؤكد المختصون في هذا الإطار أن بناء السردية الوطنية يمثل استجابة علمية
ومنهجية لحاجة ملحة في ظل تعدد الخطابات التاريخية العالمية وتباينها، مما يستدعي إنتاج
سردية وطنية راسخة تستند إلى البحث العلمي والمصادر الموثوقة والمنهجية الأثرية الدقيقة،
بوصفها أداة معرفية تسهم في حماية الهوية وترسيخ الوعي، وتعزيز قدرة المجتمع على
4
مواجهة محاولات التشويه والتزييف، بما يضمن استمرارية الذاكرة الوطنية بوصفها عنصرا
أساسيا في بناء المستقبل.
في ضوء ما سبق، يتضح أن السردية التاريخية تمثل إطارا معرفيا تفسيريا يسهم في
إعادة بناء الماضي ضمن منظومة تحليلية تتجاوز العرض الوصفي للأحداث إلى إنتاج الدلالة
والمعنى التاريخي. كما تكشف بدايات التأريخ في الأردن منذ نشأة الإمارة عن دور النخب
الفكرية والسياسية في تدوين الذاكرة الوطنية وتوثيق مراحل تشكل الدولة، الأمر الذي أسهم
في تأسيس رصيد توثيقي مبكر يعكس تفاعل الخبرة التاريخية مع الكتابة المعاصرة لها. وفي
هذا السياق، يبرز مشروع السردية الأردنية بوصفه استجابة علمية ومنهجية لحاجة معرفية
ملحة تهدف إلى ترسيخ الوعي التاريخي وصون الهوية الوطنية في ظل تعدد الخطابات
وتداخل الروايات. وبذلك يغدو هذا المشروع أداةً استراتيجية لبناء قراءة علمية متكاملة للتاريخ
الوطني، تقوم على التكامل بين المنهج الأكاديمي والمشاركة المجتمعية، بما يضمن استمرارية
الذاكرة الجمعية وتعزيز حضورها في تشكيل الوعي والانتماء.
5
قائمة المراجع
المراجع العربية
1. أشرف الضباعين، السردية الدينية، مأدبا للنشر، عمان 2025.
2. زهير الخويلدي، الهوية السردية والتحدي العولمي، مطبوعات أي كتب، لندن 2011 .
3. محمد عابد الجابري، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت 1993.
الدوريات العلمية
1. أنظار وملامح حول الكتابة التاريخية عن الأردن ، مركز الدراسات الاستراتيجية، الجامعة
الأردنية، مارس 2021
2. سماحي بو حجرة، بنية التأليف التاريخي العربي وسلطة الماضي، مجلة أبعاد، يناير 2017.
3. لحسن صديق، الذاكرة الوطنية وبناء الهوية، دورية كان التاريخية، عدد 62، ديسمبر2023.
4. نور الدين بن نعيجة ، الرواية ومقاربة التاريخ (السردية التاريخية)، مجلة العلوم الإنسانية
والحضارة، مجلد1، عدد 4، ديسمبر 2016.
ثانيا : المراجع الأجنبية:
1. Anderson, Benedict Imagined Communities: Reflections on the Origin and
Spread of Nationalism London, Verso, 1983.
2. Smith, Anthony D. National Identity University of Nevada Press, 1991.




