شريط الأخبار
وزير الخارجية يلتقي رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان التركي اجتماع لوزيري العدل والاقتصاد الرقمي ومدير الأمن لبحث تسريع التحول الرقمي وزير الشؤون السياسية يلتقي طلبة من كلية الحقوق بالجامعة الأردنية بنك ABC في الأردن يعقد اجتماعه السنوي للهيئة العامة عبر وسائل الاتصال المرئي والإلكتروني الدولة بين الدين والأحلام والنخب والشعوب... دوام مسائي لـ 5 مراكز صحية جديدة في الزرقاء ابتداءً من أيار تراجع جرائم الاتجار بالمخدرات في الأردن 18.69% إلى 6311 جريمة العام الماضي مدير الأمن العام يرعى حفل تخريج طلبة كلية الدفاع المدني "يجسد فزعة الصخور" اللواء الطبيب م حسين الخريشة أبو عبدالله : عاش بين اوجاع المرضى المستوطنة بأبدانهم وارواحهم . رئيس عمّان الأهلية يكرّم الطلبة المتميزين إبداعياً بكلية العمارة والتصميم "الضريبة" تدعو لتقديم طلبات التسوية والمصالحة للاستفادة من إعفاء الغرامات عيار 21 عند 95.8 دينار.. صعود جديد لأسعار الذهب في الأردن قرار بتعطيل المؤسسات الرسمية 25 ايار وعطلة عيد الأضحى من 26 30 ايار عراقجي يغادر إسلام آباد إلى موسكو الخارجية الإيرانية: عراقجي غادر باكستان إلى روسيا السلط يهزم البقعة بثلاثية في دوري المحترفين توافق أردني كويتي على عقد مشاورات سياسية بين البلدين قريبا (المهندسين) توصي بوقف إصدار التراخيص الإنشائية في المنطقة المحيطة بانزلاق صافوط بيان من عشيرة أبو نواس حول جريمة الكرك المستقلة للانتخاب: لا نتدخل في برامج الأحزاب

الدولة بين الدين والأحلام والنخب والشعوب...

الدولة بين الدين والأحلام والنخب والشعوب...
الدولة بين الدين والأحلام والنخب والشعوب...
القلعة نيوز
الدولة، ما هي الدولة؟ أخلاق أم إدارة أم صراع داخلي بين قوى متنافسة؟ أم هي كيان محايد؟ هل هي صراع مستمر بين الشرعية الأخلاقية والنفوذ النخبوي والتمثيل الشعبي؟ لماذا لم يستطع نموذج قديم أو حديث أن يحقق التوازن بين هذه القوى المتضادة، ويصنع التوازن بين الهيمنة والحقوق والواجبات؟ نعم، استطاع نموذج الدولة الإسلامية المبكر تحقيق صور من التوازن في مجتمع المدينة، ولكن لم يُكتب لهذه التجربة الاستمرار بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوقف الدفع الحضاري في صفين. الدولة في الحقيقة ليست نموذجًا أخلاقيًا مطلقًا، هي بين الواقعية والدولة الفاضلة، وليس الهدف منها أن تكون مشروعًا أخلاقيًا خالصًا ولا قوةً مهيمنةً مطلقة.

النخب ما زالت تتحكم بالدول والإمبراطوريات، ومن يقع عليه حمل كل شيء هي الشعوب، ولذلك لم يستقر التاريخ ولا المجتمعات الإنسانية. يرى الماوردي في الأحكام السلطانية أن هدف الدولة حراسة الدين وسياسة الدنيا، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة تعاقدية، بينما يرى ابن عاشور أن الدولة كيان يهدف إلى إعمار الأرض انطلاقًا من المقاصد العامة للشريعة، بينما يراها ابن خلدون كائنًا حيًا محكومًا بدورة حياة من النشوء إلى النضج ثم الهرم، وبعدها الموت، وتنطبق عليها السنن الكونية، ويراها الفيلسوف هوبز ضرورةً لمنع حرب الكل ضد الكل، لذا هي تنازل في جهة وأمان في أخرى.

كيف من الممكن بناء نموذج دولة يحفظ التوازن بين المعنى الأخلاقي للسلطة وضرورات القوة، ويحقق المشاركة الفاعلة من العامة؟ ولماذا علينا أن نعيد الإسلام إلى الإنسان، أو بمعنى أدق نعيد الإنسانية إلى الإنسان؟ وعندها لا فرق إن كان أميرًا أو جنديًا، مسؤولًا أو فردًا من العامة، فكلهم يدرك معنى الإنسانية والأخلاق والآخر.

وهنا أستحضر الدولة الحلم التي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهي تلك الدولة التي كان الرجال والنساء فيها على قدر من العلم والتأهيل والعمل، ومن يعمل هم أكثر ممن يتطلع إلى الحكم، ولا يحكم إلا من اختارته النخبة من النخبة من هؤلاء ليمثلهم ويقوم بأمرهم، فكان أميرهم منهم، وكان كل واحد فيهم أميرًا، وإن لم يكن سوى أقل واحد فيهم، وكانوا يسعى بذمتهم أدناهم، وأمرهم شورى بينهم، وكل واحد فيهم يؤمن بأن الله ابتعثه ليُخرج من شاء من عبادة غير الله إلى عبادة الله. وصناعة هذا الإنسان، وصناعة هذا النوع من البشر، هي التي استغرقت كل تلك السنوات في مكة، وهم الدفع الحضاري. وهنا نقف مع ذلك القول التاريخي على ضعف في صحته، وهو أنهم كان أبو بكر وعمر خلفاء على مثل علي وعثمان، ولكن هؤلاء كانوا خلفاء على من هم دون هذه الطبقة في الدين والعلم والأخلاق، ومع ذلك ساهموا بإبقاء زخم الأمة في بقائها لأكثر من أربعة عشر قرنًا.

وهؤلاء كانوا البذرة التي ساهمت في نشر الإسلام وانتشاره وقيامه في تلك البيئة المعادية في كل شيء. كانت هذه النوعية من البشر هي السبب فيما وصل إليه الإسلام اليوم. نعم، كان هناك انحرافات عن المنهج، ونعم، كان هناك ظلم وتجاوز، ولكن الدفع الإنساني والحضاري لهذه الفئة التي كانت تعمل لصالح البشرية بشكل عام، وتسعى لرفعة الإنسان ونقله إلى مستويات جديدة من التحضر والمدنية، وتستفيد من كل ما حولها وتصهره في بوتقة واحدة، ليشكل دفعة إنسانية عزّ نظيرها. مع إقراري بالتجاوزات التي حدثت، ولكن الدفع الحضاري ساهم بأن يكون التجاوز محدود الأثر والطبيعة. ولنأخذ مقارنة بين ما تقوم به دول أوروبا الاستعمارية بحق الإنسانية، وما يقوم به التحالف اليوم بقيادة الولايات المتحدة في غزة، وما قام به كل القادة العسكريين الذين تخرجوا من هذه الحضارة مع الأعداء، على مرّ التاريخ، لتدرك تمامًا معنى ما أقول.

في الدولة الحديثة الشاملة، كما يقول نعوم تشومسكي، تتحكم العصا بالرأي العام، وفي الدول الديمقراطية يتحكم الإعلام، وهذا الإعلام تتحكم به الدائرة الضيقة التي تتحكم بالسياسة، وهذه تتحكم فيها المصالح والأموال ومراكز القوى. وهذه النخب تحكمها المصالح والسلطة والقوة، وهي تسعى لتقاسم المكاسب كلٌّ حسب سلطته، ويقع الشعب في معظم هذه الحالات ضحية هذه السياسة. لم تبتعد السياسة الحديثة عن هذه الدائرة كثيرًا، فما حدث في الشرق والغرب كان قائمًا على تضحيات الشعوب وتوظيفها لصالح فئات معينة، وما زالت معضلة التوازن في إدارة الدول بين الساسة والشعوب قائمة. منذ أيام سولون في القرن الخامس قبل الميلاد إلى اليوم، لم نستطع الوصول إلى تلك التوليفة التي تحقق العدالة بين الطرفين، وما زال البحث مستمرًا للوصول إلى تلك الحالة من التوازن بين الساسة والعامة.

وهنا يظهر بوضوح دور النخب الفاسدة التي تقصر عمر الدول وتعمل على زوالها، ولذلك تسعى الأنظمة الحديثة للوصول إلى فرض نظم سيطرة ورقابة تمنع انحراف الساسة عن الهدف الأسمى ومصالح الوطن العليا. وهذا الانحراف قد يكون بسبب عدم القدرة على إدراك المخاطر والسلبيات ونقص الخبرة، وقد يكون بعوامل أخرى مختلفة، ولكن الرقابة التي كانت تُفرض على الساسة منذ أيام مجالس الشيوخ في الإمبراطوريات الرومانية إلى اليوم هدفها واحد، وهي تقليل هذه الظاهرة والحد منها، ومن تغول الساسة على السلطة. نعم، تنحرف الدول عن مسارها وتتحكم بها الأهواء والعقول والرغبات، وكثيرًا ما دخلت الدول في صراعات لم تجرّ عليها إلا الوبال والدمار والخراب. وهنا لا تدرك النخب الفاسدة الأثر السلبي الذي تعمل على تراكمه في المجتمع، حتى تصل الأمور إلى نقطة حرجة يصبح الإصلاح معها يتطلب إجراءً قاسيًا، وتتحمل تبعاته كل فئات المجتمع، بما فيها النخب نفسها. وهنا نرى أن هذه الفئات التي كانت سببًا في سقوط الأوطان، حتى لو خرجت هاربة، فإن وزر أفعالها ونتائجها يلاحقهم، وهذا الأثر واضح لتلك الدول التي تعرضت لفساد بالغ أو سقطت في الفوضى.

التدافع بين البشر هو السمة العامة، فأنت لا تستطيع أن تركن إلى السياسة في إدارة الدولة دون وجود القوة العسكرية. ووجود القوة العسكرية هو الطريق الذي يفتح شهية الاستعمار والاحتلال عند الساسة، وعند القادة العسكريين للسيطرة على السلطة، كما حدث مع القيصر. وكثيرًا ما كانت الحروب طريقًا لتجنب الصراعات الداخلية بين النخب بنقل الصراع إلى الخارج، أو تحقيق انتصارات على الأعداء، أو للسعي للحظوة والبطولة عند العامة. وهذا ما يحدث اليوم بسبب مجمع صناعي أو بسبب أطماع شركات المال والسلاح وضعف الإنسانية.

وما تسعى إليه العامة هو الانتصارات العسكرية والثروات الاقتصادية، وهذه وتلك لا ينتصر فيها الحكماء والخبراء والعقلاء على الأغلب، بل القادة العسكريون والتجار. والعامة قد تحسن التقدير وقد لا تحسن، والضريبة في النهاية، سواء أحسن الساسة أو العامة أو أساؤوا، تُدفع من قبل الجميع. ولذلك كان واجبًا على الجميع المشاركة في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته. وهنا نقف مع الأنظمة الحديثة التي تسعى إلى زيادة التمثيل الشعبي من خلال المجالس المختلفة، ونقع مرة أخرى في دوائر مختلفة من العشائرية إلى الحزبية إلى المصالح الضيقة البعيدة عن تحقيق المنفعة العامة للوطن أو دفع الضرر العام عنه. وينتصر في هذه المعارك الانتخابية من يحسن مخاطبة الشعوب والتلاعب بعواطفها وحملها على تحقيق أحلامه، ولو على حساب أحلامها، وهو يقنعها بأن ما حققه هو في النتيجة ما تريده هي.

ولذلك لا بد من نخب حكيمة تضع التصرفات ومآلاتها في الميزان، وتساهم في خلق وعي جمعي لنتائج الأفعال من حيث التقاعس أو التكاسل أو المشاركة بحسن نية أو بسوء نية في أفعال تنعكس سلبًا على الوطن. وإذا أردت قراءة واقعية لهذه الأحداث، تستطيع أن تستحضر الواقع السوري بين الأمس، والتاريخ والجغرافيا حافلة بالأمثلة.

إبراهيم أبو حويله...