القلعة نيوز
بقلم: د. دعاء الشويخ
إن الأمم التي تصنع مستقبلها هي التي تدرك قيمة مواردها البشرية، وتحسن تحويل طاقات شبابها الوطنية إلى فرص اقتصادية مستدامة. والأردن، بما يزخر به من رأس مال بشري كفؤ وطاقات شبابية طموحة، يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون مركزاً متقدماً في مجال التأهيل المهني والتقني على مستوى المنطقة والعالم.
لم يعد التدريب المهني مجرد مسار تعليمي بديل أو خيار لإكساب المهارات الأساسية، بل أصبح قطاعاً اقتصاديًا حيوياً يشارك مباشرة في خلق فرص العمل، وتمكين المجتمعات المحلية، ودعم الريادة، وتعزيز مفهوم التنمية المستدامة، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي ومساعي المملكة لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة.
نهجٌ يخرج عن المألوف: ميدانية تُصغي للشباب وتترجم الرؤى إلى أثر
تتجلى قيمة النهج الحكومي الجديد في الخروج الصريح عن المألوف المكتبي ونمطية إدارة الملفات التنموية؛ إذ تُرسخ الجولة الميدانية التي قام بها دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان اليوم إلى معهد تدريب مهني الرّمثا فلسفةً إداريةً قائمةً على المباشرة والاقتراب من نبض الميدان.
إن حرص دولته خلال زيارته اليوم على القرب من الشباب والمتدربين—الذين ينتظم منهم أكثر من 140 متدرباً في المعهد—والاستماع المباشر لطموحاتهم واحتياجاتهم داخل المشاغل التدريبية، يعكس تقديرًا عميقًا للرأس المال البشري الأردني. حيث يتجاوز هذا النهج الاستباقي حدود التفقّد السطحي ليترجم حوارات الميدان إلى قرارات حاسمة، تمثلت في التوجيه الفوري بـ استحداث مشاغل تدريبية حديثة وتحديث مختبر الحاسوب، وتطوير المناهج لتكون شاملة في كافة معاهد المملكة، مع توفير التمويل الميسّر والمنح العينية للأدوات والمستلزمات لتمكين الخريجين من الانتقال المباشر نحو التأسيس والإنتاج وتأسيس مشاريعهم الصغيرة.
وفي إطار هذا التكامل التنموي، تبرز الجهود النوعية والاستثنائية التي تقودها مؤسسة التدريب المهني ممثلة بمديرها العام عطوفة رأفت الصوافين، والتي تشكل نموذجاً حياً للتفاعل السريع مع الرؤية الحكومية؛ إذ تحوّلت التوجيهات إلى ورشة عمل مستمرة تعيد هيكلة المنظومة المهنية وتُطور بيئتها التعليمية بما يواكب أعلى المعايير الحديثة ومتطلبات سوق العمل المتغيرة.
توسيع المعاهد وتحديث المنظومة: أفكار استراتيجية نحو المستقبل
إن صياغة المستقبل القادم لقطاع التدريب المهني تتطلب التوسع العمودي والأفقي لمؤسساته، من خلال تبني رؤى استراتيجية واعدة، أبرزها:
* إنشاء معاهد متخصصة بالقطاعات المستقبلية: توسيع المعاهد القائمة وتأهيلها لتشمل اختصاصات الذكاء الاصطناعي، وصيانة أنظمة الطاقة المتجددة، والزراعة الذكية، والتقنيات الرقمية.
* حاضنات أعمال داخلية للمتدربين: تحويل المعاهد من مجرد قاعات تدريب إلى "حاضنات إنتاجية" تمنح المتدرب فرصة إدارة مشروع مصغر قبل تخرجه، لتسهيل انتقاله إلى سوق العمل بثقة وقدرة عالية.
* مواكبة الهوية الاقتصادية لكل محافظة: إحداث مشاغل وتخصصات نوعية تناسب الطبيعة الجغرافية والاستثمارية لكل منطقة؛ كربط معاهد المحافظات الجنوبية بمشاريع الطاقة والتعدين والنقل، ومعاهد الوسط والشمال بالصناعات الرقمية والخدمية والزراعية الحديثة.
الامتداد إلى الجنوب ومعان.. التمكين في قلب التنمية
وتبرز محافظات الجنوب، وفي مقدمتها محافظة معان، كأنموذج حي لما يمكن أن يحققه التدريب المهني حين يُدار بفكر متجدد ويستند إلى الاستماع الحقيقي لاحتياجات أبناء المنطقة. فالجنوب بما يملكه من مشاريع استراتيجية وفرص واعدة، يحتاج إلى تعزيز شبكة المشاغل المتخصصة وتوسيع المعاهد لتواكب حجم هذه الاستثمارات.
إن الاستمرار في هذا النهج التفاعلي والتنفيذي الذي شهدناه اليوم يضمن تمكين شباب معان والجنوب بمهارات متقدمة ومعدات حديثة، مما يجعلهم شركاء أصيلين في تنمية مجتمعاتهم ومحركاً رئيسياً لبناء مستقبل وطني قائم على الإنتاج والريادة والتنمية المستدامة.




