الإعلامية السورية رشا موسى
سؤالٌ جوهري: متى يتوقف هذا العبث؟
متى ستتوقفون عن الصراخ؟
عن الشتم؟
عن اللعن؟
عن القتل المغلف بشعارٍ اسمه "الثأر”؟
ومتى ستكفون عن تصنيف الناس بين "أهل ذمة” و”كفار” وكأنكم أوصياء على الإيمان والهوية والمصير؟
السؤال ليس استفزازاً…
بل سؤال دولة.
هل تريدون فعلاً بناء دولة؟
أم أن الدولة ليست في حساباتكم أصلاً؟
أولاً: الصراخ… هل هو سياسة؟
الصراخ ليس مشروعاً.
هو انفعال.
والانفعال لا يبني مؤسسات.
الدولة تُبنى بالعقل البارد، بالتخطيط، بالقانون، لا بالهتاف الذي يعلو اليوم ويخبو غداً.
حين يتحول الخطاب العام إلى شتائم، يصبح الفضاء العام ساحة تحريض لا ساحة تفاهم.
ثانياً: الشتم واللعن… هل هما برنامج حكم؟
الشتيمة لا تضع دستوراً.
واللعن لا يكتب قانوناً.
من يريد إدارة بلدٍ متنوع، لا يستطيع أن يبدأ بإهانة نصفه.
الخطاب الذي يُشيطن المختلف لا يؤسس لشرعية، بل يؤسس لانتقامٍ مضاد.
وهكذا ندخل في دوامة لا تنتهي.
ثالثاً: القتل تحت شعار "الثأر”
الثأر كلمة عاطفية.
لكن تحويلها إلى مبدأ سياسي كارثة.
إذا كان القتل يُبرر اليوم باسم الثأر…
فمن يضمن ألا يُبرر غداً باسم ثأرٍ آخر؟
ثم سؤال بسيط:
ألم يكن الطرف الآخر يدفع الثمن أيضاً؟
ألم يسقط له ضحايا؟
ماذا عن مجازر ريف اللاذقية؟
ماذا عن عدرا العمالية؟
ماذا عن مطار الطبقة؟
ماذا عن جسر الشغور واشتبرق؟
ماذا عن التفجيرات ومدافع جهنم التي حصدت مدنيين؟
هل كان أولئك بلا دم؟
أم أن دمهم لا يدخل في معادلة "الثأر”؟
حين نختار ضحايانا وفق الهوية، لا نطلب عدالة… بل نطلب انتقاماً انتقائياً.
والانتقام الانتقائي ليس عدلاً، بل استمرار للحرب بأدواتٍ أخرى.
رابعاً: تصنيف المختلف… بداية انهيار الدولة
حين يُوصم المختلف بأنه "أهل ذمة” أو "كافر”،
نحن لا نختلف معه سياسياً،
بل ننزع عنه حقه في المواطنة.
الدولة الحديثة لا تقوم على العقيدة، بل على المواطنة.
والقانون لا يسأل عن المذهب قبل أن يمنح الحقوق.
إذا كان مشروعكم هو تصنيف الناس دينياً،
فأنتم لا تبنون دولة،
أنتم تعيدون إنتاج صراعاتٍ تاريخية في زمنٍ يفترض أنه تجاوزها.
خامساً: هل الدولة هدف فعلاً؟
الدولة تعني:
• احتكار السلاح بيد مؤسسة واحدة.
• قضاء مستقل لا ثأر فيه.
• مساواة أمام القانون بلا تمييز.
• اعتراف متبادل بين مكونات المجتمع.
فهل هذا ما تسعون إليه؟
أم أن الهدف إبقاء المجتمع في حالة تعبئة دائمة، لأن التعبئة تخدم السلطة أكثر من الاستقرار؟
الدولة تحتاج إلى إنهاء منطق "نحن وهم”.
أما خطاب الثأر فيعيش على هذه الثنائية.
بالختام
الثأر لا يبني دولة.
التكفير لا يبني دولة.
الشتيمة لا تبني دولة.
الانتقام لا يصنع عدالة.
الدولة تُبنى حين نعترف أن الدم السوري – أيّاً كان صاحبه – دمٌ واحد في قيمته الإنسانية.
وتُبنى حين يتحول الألم إلى قانون، لا إلى بندقية.
السؤال الجوهري يبقى:
هل تريدون وطناً للجميع…
أم ساحةً مفتوحة لثأرٍ لا ينتهي؟



