شريط الأخبار
طقس بارد لأيام .. وتحذيرات من تشكل الصقيع الخارجية: نتابع بقلق الاشتباكات الحدودية بين باكستان وأفغانستان خطة أمنية جديدة لقطاع غزة تشمل تجنيد نحو 12 ألف شرطي فلسطيني ترامب: لم أتخذ قرارا بعد بشأن إيران ولست راضيا عن أسلوب تفاوضهم روبيو يجري محادثات في إسرائيل بشأن إيران الاثنين دول تنصح رعاياه بمغادرة إيران فورًا (أسماء) محكمة إسرائيلية تجمد قرار حظر 37 منظمة من العمل في غزة وزير الصحة يُفاجأ الكوادر الطبية في مستشفى البشير و يتناول الإفطار في الكافتيريا ويوجه بتحسين البيئة وول ستريت جورنال: إيران بعيدة عن تصنيع صواريخ عابرة للقارات فرنسا تدعو رعاياها لعدم السفر إلى القدس والضفة العثور على جثة شاب عشريني في مدينة إربد رويترز: المبعوث الأميركي برّاك يلتقي بنوري المالكي الأميرة بسمة بنت طلال تستقبل وفد منظمة الصحة العالمية برفقة الأميرين هاري وميغان مندوباً عن الملك..الأمير فيصل يرعى المجلس العلمي الهاشمي الـ121 الأجواء الشتوية في رمضان تنظم حركة المواطنين والأسواق 100 ألف مصل يؤدون صلاة الجمعة الثانية من رمضان في المسجد الأقصى وفد وزاري يجري لقاءات في مدريد لتعزيز مكانة الأردن كمركز لجذب الاستثمار المطابخ الإنتاجية تشهد نشاطا ملحوظا لا سيما في رمضان المبارك الاحتلال يشدد إجراءاته العسكرية على الحواجز المؤدية إلى القدس "التعاون الإسلامي" يبحث قرارات الاستيطان الإسرائيلية غير القانونية بالضفة الغربية

الشوابكة يكتب : الذكاء السيادي وصناعة البقاء: هندسة الدولة في عصر الصراع والمعلومة

الشوابكة يكتب : الذكاء السيادي وصناعة البقاء: هندسة الدولة في عصر الصراع والمعلومة
جمعة الشوابكة
في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُحسم على خطوط النار وحدها، بل في غرف التحليل وممرات التفاوض وشبكات البيانات، تغيّر تعريف القوة وتبدّلت أدوات النفوذ. لم تعد الدولة تُقاس بعدد جنودها ولا بحجم ترسانتها فحسب، بل بقدرتها على إدارة الصراع قبل انفجاره، وعلى قراءة اللحظة الدولية بوعي، وعلى تحويل المعلومة إلى قرار، والكلمة إلى تأثير، والتاريخ إلى خريطة طريق. هنا تبدأ معادلة البقاء: ذكاء سيادي يدمج بين الدبلوماسية والاستخبارات وهندسة الوعي.
الدبلوماسية لم تعد ترفًا أخلاقيًا ولا مجرد بروتوكول بين العواصم، بل أصبحت أعلى أشكال استخدام القوة دون إطلاق رصاصة. إنها فنّ الممكن حين يستحيل المطلق، وأداة حصر الأضرار حين يقترب الانفجار. الصراعات لا تبدأ في الميدان، بل في الرسائل غير المعلنة، وفي رسم الخطوط الحمراء، وفي بناء التحالفات بهدوء. من يفشل في قراءة ميزان القوى يُدفع إلى المواجهة بشروط غيره، ومن يتقن فنّ التفاوض يستطيع أن يحوّل التهديد إلى فرصة، أو على الأقل أن يمنع الخسارة قبل وقوعها.
غير أن النظام الدولي لا تحكمه الدول وحدها. شركات السلاح، والمؤسسات المالية، ومجموعات الضغط، والإعلام العابر للحدود، جميعها عناصر تؤثر في مسار القرار. تُرفع شعارات الاستقرار بينما تُدار المصالح في العمق، وتُعلن المبادئ بينما تُعاد صياغة خرائط النفوذ بصمت. القوة الكبرى غالبًا لا تدخل النار بيديها، بل تستخدم أدوات غير مباشرة: تحالفات، عقوبات، ضغط اقتصادي، ومعلومات دقيقة. إنها سياسة إدارة الصراع لا إشعاله، وحساب المكاسب قبل المجازفة.
في قلب هذه المعادلة تقف الاستخبارات، لا كأداة تجسس تقليدية، بل كنظام معرفة سيادي. المعلومة الدقيقة في التوقيت الصحيح قد تكون أهم من ألف قطعة سلاح. معرفة نوايا الخصم، قراءة تحركاته، تحليل نقاط ضعفه، كلها تمنح صانع القرار قدرة على التحرك بثقة لا بردّة فعل. من دون هذا البعد، تتحول السياسة إلى مقامرة، ويتحوّل القرار إلى اجتهاد غير محسوب.
لكن أدوات الدولة الخارجية لا تكفي إن كان الداخل هشًا. الذكاء السيادي يبدأ من الداخل قبل الخارج. فالدبلوماسية الناجحة تحتاج إلى مجتمع واعٍ، وإلى خطاب عام منضبط، وإلى إعلام يزن كلمته قبل نشرها. هنا تأتي هندسة الحديث كجزء من إدارة المعرفة. فالفكرة مهما كانت قوية قد تضيع بسبب سوء عرضها، والموقف الصحيح قد يُساء فهمه بسبب ارتباك الأسلوب. وضوح الهدف، ودقة الرسالة، وتنظيم المعلومة، كلها عناصر تحسم اتجاه الرأي العام وتؤثر في مسار القرار.
وفي مقابل الخطاب المنضبط، يبرز خطر الضجيج: تحليلات بلا معرفة، شعارات بلا برامج، نقد بلا حلول. المجتمعات لا تنهض بالصوت العالي، بل بالعمل المتراكم والانضباط الفكري. لا يُبنى الأمن القومي بالشعارات، بل بتربية تُغرس فيها قيم القانون والمسؤولية، وبمؤسسات تحترم العدالة، وبثقافة تميّز بين الرأي والمعلومة. حين يضعف الوعي العام، تصبح الدولة أكثر عرضة للتأثير الخارجي، ويصبح الصراع يُدار داخلها بدل أن تديره هي.
ولا يكتمل الذكاء السيادي دون هندسة التاريخ. فالتاريخ ليس حكاية تُروى ولا ذكرى تُستعاد، بل مختبرًا حيًا للأمم. الدول التي تجاهلت دروس ماضيها سقطت رغم قوتها العسكرية، لأن الانهيار يبدأ غالبًا من الداخل: من الظلم، ومن فقدان الثقة، ومن تآكل المؤسسات. الرخاء ليس رفاهية، بل صمام أمان يمنع تفكك النسيج الاجتماعي. والعدل ليس قيمة مثالية، بل شرط بقاء الدولة واستمرارها.
وفي عصر الحرب التكنولوجية، تغيّر تعريف القوة العسكرية جذريًا. لم تعد الجيوش تُقاس بالعدد، بل بالكفاءة والجاهزية التقنية والقدرة على إدارة المعركة بالمعلومة قبل السلاح. التفوق المعلوماتي، والأنظمة الذكية، والحرب السيبرانية، وإدارة البيانات، كلها أعادت صياغة مفهوم الردع. المعركة قد تُحسم في غرفة تحليل قبل أن تبدأ في الميدان. من يمتلك المعلومة يمتلك القرار، ومن يمتلك القرار يمتلك ميزة الحركة.
الذكاء السيادي ليس شعارًا، بل منظومة متكاملة: دبلوماسية تفهم ميزان القوة، واستخبارات تحمي القرار، وخطاب يُدار بعقل، وتاريخ يُقرأ بوعي، وتكنولوجيا تُوظّف بذكاء. دولة تمتلك هذه العناصر تستطيع أن تبقى في قلب التحولات لا على هامشها، وأن تحصر الأضرار بدل أن تُستنزف، وأن تصنع مستقبلها بدل أن يُفرض عليها.
في عالمٍ يسير على حافة الأزمات، البقاء ليس للأقوى صوتًا، بل للأذكى إدارةً. ومن يفهم هذه المعادلة، يصنع التاريخ بهدوء… ومن يتجاهلها، يتحول إلى ساحة يُدار فوقها الصراع بدل أن يديره.