ظاهرة شعبوية النواب خارج القبة في سياق تعديلات قانون الضمان
الاجتماعي: ديناميكيات الخطاب البرلماني الأردني المعاصر
الدكتورة رشا احمد الركيبات باحثة
علوم وسياسات نظام الأرض
مقدمة في سوسيولوجيا التشريع الأردني وأزمة الخطاب المزدوج
تمثل
منظومة الضمان الاجتماعي في المملكة الأردنية الهاشمية العصب الحيوي والركيزة
الأساسية لشبكة الحماية الاجتماعية، والملاذ المالي الأخير لملايين العاملين
والمتقاعدين في القطاعين العام والخاص، فضلاً عن كونها الوعاء الاستثماري الأكبر
للمدخرات الوطنية. ومع إقرار مجلس الوزراء للأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدل
لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026، ودخوله إلى أروقة مجلس النواب العشرين لإقراره
ضمن الأطر الدستورية، طفت على السطح أزمة هيكلية عميقة تتعلق بطبيعة "الخطاب
البرلماني" وديناميكياته وآليات تشكله. لم يعد النقاش المثار حول بنود هذا
القانون التشريعي الحساس مقتصراً على التقييم المالي والاجتماعي المحض، بل تحول
إلى ظاهرة سياسية واجتماعية مركبة تعكس فجوة عميقة وخطيرة بين السلوك التشريعي
العقلاني والمؤسسي المأمول "تحت القبة"، والسلوك الاستعراضي، العاطفي،
والشعبوي الممارس "خارج القبة" عبر شاشات التلفزة ومنصات التواصل
الاجتماعي.
إن
هذه الازدواجية الصارخة في الخطاب النيابي لا تنبع من فراغ، ولا تُعد مجرد هفوات
فردية لبعض ممثلي الأمة، بل هي نتاج حتمية سياسية تفرضها طبيعة العلاقة المعقدة
بين النائب وقاعدته الانتخابية من جهة، وبين النائب ومؤسسات الدولة وصناع القرار
المالي من جهة أخرى. ففي حين تفرض الأرقام الاكتوارية القاسية، والحقائق المالية
التراكمية، ومعدلات النمو الاقتصادي، ضرورة اتخاذ قرارات "مؤلمة" لضمان
استدامة المؤسسة وتجاوز ما يُوصف بـ "نقطة التعادل الخطيرة" المتوقعة في
عام 2030 ، يجد النواب أنفسهم أمام استحقاق شعبي ضاغط، وشارع محبط اقتصادياً يرفض
أي مساس بما يعتبره حقوقاً مكتسبة غير قابلة للتفاوض.
في هذا السياق المأزوم، يبرز الخطاب الشعبوي
النيابي خارج القبة كأداة براغماتية للنجاة السياسية الفردية، حيث يتم الترويج
لبطولات كلامية، وإطلاق تصريحات نارية بالرفض المطلق للقانون، في حين تفرض القواعد
الإجرائية والتشريعية تحت القبة مساراً مختلفاً تماماً يعتمد على التفاوض،
والتعديل الهادئ، والإحالة إلى اللجان النيابية المختصة بعيداً عن صخب الكاميرات.
يغوص هذا التقرير البحثي التحليلي في أعماق هذه الظاهرة السياسية، مقدماً
تفكيكاً نقدياً شاملاً لمواقف نواب مجلس النواب الأردني العشرين حيال مشروع قانون
الضمان الاجتماعي (نسخة 2026). ويعتمد التقرير في بنائه التحليلي على تقاطع
البيانات البرلمانية الرسمية، ومقاييس الأداء الصادرة عن مؤسسات الرقابة المدنية
المستقلة، والمواقف المعلنة للكتل النيابية، بهدف الوصول إلى فهم تشريعي
وسوسيولوجي دقيق لكيفية توظيف القضايا الوطنية الكبرى في مساحات التجاذب الشعبوي،
وتأثير ذلك على متانة المؤسسات الديمقراطية.
الاقتصاد السياسي لصندوق الضمان الاجتماعي: سياقات الأزمة ودوافع التعديل
لفهم
الجذور العميقة للخطاب الشعبوي النيابي، ولتجنب السقوط في فخ التقييم السطحي
للمواقف، يجب أولاً تفكيك البنية الفنية والمالية لمشروع القانون المعدل لسنة
2026، والسياقات الاقتصادية الكبرى التي دفعت الحكومة لتبنيه. لا يخفى على
المتابعين للمشهد الاقتصادي الأردني أن التعديلات الحكومية المقترحة لم تأتِ من
فراغ ترفي، بل جاءت استجابة مُمضّة لنتائج 53 سيناريو دراسياً اكتوارياً ومالياً،
هدفت جميعها إلى استشراف مستقبل المؤسسة ومعالجة الخلل الهيكلي المتنامي بين
الإيرادات التأمينية والنفقات التقاعدية.
تكشف
البيانات الرسمية أن الرواتب التقاعدية التي تدفعها المؤسسة العامة للضمان
الاجتماعي شهرياً قد بلغت مستويات غير مسبوقة، مقدرة بحوالي 172 مليون دينار
أردني. في المقابل، يواجه الصندوق تحديات جمة تتمثل في اتساع رقعة التهرب
التأميني، وارتفاع كلف التقاعد المبكر الذي تحول من "استثناء" تشريعي
لمعالجة حالات محددة إلى "قاعدة" يلجأ إليها قطاع واسع من القوى
العاملة، فضلاً عن الزيادة المطردة في متوسط الأعمار، مما يعني بقاء المتقاعدين
لفترات أطول بكثير على قوائم الصرف المالي.
تُشير
التحذيرات البرلمانية والاقتصادية، ولا سيما تلك التي برزت في نقاشات الكتل
النيابية ذات الطابع الاقتصادي (مثل كتلة الميثاق)، إلى أن صندوق الضمان
الاجتماعي، الذي يمتلك موجودات استثمارية ضخمة تقدر بحوالي 18.6 مليار دينار
أردني، يقترب بخطى متسارعة من "نقطة تعادل خطيرة" في عام 2030، وهي
النقطة التي تتساوى فيها الإيرادات مع النفقات، لتبدأ بعدها مرحلة تآكل الأصول
الاستثمارية إذا لم يتم اتخاذ إجراءات تصحيحية جذرية. وتتفاقم هذه المخاوف مع
تمركز نسبة عالية من هذه الأموال الاستثمارية في السندات الحكومية، وهو ما يتجاوز
في نظر بعض الخبراء النسب العالمية الآمنة للتنويع الاستثماري، ويزيد من التشابك
المالي بين مديونية الدولة واستدامة أموال المشتركين.
في ضوء هذه المؤشرات، سعت الحكومة الأردنية
برئاسة الدكتور جعفر حسان إلى صياغة مسودة قانون معدل يهدف في جوهره إلى تعزيز
الاستدامة المالية، وتوسيع مظلة الشمول لتضم فئات جديدة، وتحقيق التوازن الدقيق
بين حقوق المؤمن عليهم وقدرة النظام التأميني على البقاء. ورغم أن الحكومة أكدت
مراراً أن التعديلات ستشمل "تطبيقاً تدريجياً" لن يمس المستحقين
الحاليين للتقاعد خلال السنوات الأربع المقبلة ، إلا أن حجم التدخل التشريعي وعمقه
كان كافياً لإشعال شرارة القلق الشعبي، وبالتالي تحفيز ماكينة الشعبوية النيابية
التي وجدت في هذا القلق مادة خام ممتازة للاستثمار السياسي.
تشريح التعديلات الجوهرية لعام 2026: محفزات الغضب ومادة الخطاب الاستعراضي
إن الخطاب النيابي المعارض خارج القبة لم يكن
ليجد صدى واسعاً لولا أن التعديلات المقترحة مست عصباً حساساً في منظومة التوقعات
المجتمعية. لقد شكّل مشروع القانون انقلاباً هادئاً، ولكنه عميق، في فلسفة التقاعد
الأردنية، وهو ما يمكن تفصيله في المحاور الجوهرية التالية التي استند إليها
النواب في بناء سردياتهم الشعبوية:
أولاً: التحول الديموغرافي والرفع المتدرج لسن التقاعد (الشيخوخة)
يُعد
هذا البند القنبلة الموقوتة الأبرز في مشروع القانون. إذ ينص التشريع الجديد على
الانتقال من السن المعتمد حالياً للتقاعد الوجوبي (60 عاماً للذكور و55 عاماً
للإناث) إلى سن جديد يبلغ بحدّه الأقصى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث. ولتخفيف
وطأة هذا التحول وتجنب إحداث "صدمة تشريعية" تربك المشتركين وسوق العمل،
اعتمد القانون نهج التطبيق التدريجي. وبموجب هذا النهج، لن يتم القفز إلى السن
الجديد دفعة واحدة، بل سيتم رفع سن التقاعد بواقع 6 أشهر سنوياً، على أن يبدأ هذا
التدرج اعتباراً من 1 كانون الثاني 2028 للمشتركين الذين تبتعد فترات استحقاقهم عن
المدى المنظور، في حين يظل من تبقى على تقاعدهم 4 إلى 5 سنوات بمعزل عن الأثر
الكبير، حيث لن تزيد فترة عملهم الفعلية عن عام واحد إضافي في أسوأ التقديرات.
ووفقاً للتوضيحات الحكومية اللاحقة، سيمتد هذا التدرج في رفع سن التقاعد الوجوبي
على مدار عقد كامل حتى عام 2040.
ورغم هذا التدرج المدروس، واجه البند رفضاً
عمالياً وشعبياً واسعاً، تلقفه النواب ووظفوه إعلامياً. تركز النقد الجوهري لهذا
البند، كما أشار خبراء حماية اجتماعية مثل موسى الصبيحي، على أن رفع سن التقاعد
إلى 65 عاماً لا يتناسب إطلاقاً مع طبيعة سوق العمل الأردني، ولا مع معدلات النمو
الاقتصادي التي تراوح مكانها دون حاجز الـ 3%. إن إجبار القوى العاملة على البقاء
في سوق العمل المنهك لخمس سنوات إضافية قد يؤدي إلى تعميق أزمة البطالة بين صفوف
الشباب، وتكريس حالة من الركود الوظيفي في المؤسسات.
ثانياً: إعادة هيكلة التقاعد المبكر وتحويله إلى "الاستثناء
المطلق"
لطالما
نُظر إلى التقاعد المبكر في الأردن على أنه صمام أمان للطبقة العاملة التي ترغب في
الخروج المبكر من ضغوط العمل، إلا أن القانون الجديد جاء ليعيد تعريف هذه المنفعة
جذرياً، محولاً إياها من حق مكتسب متاح بسهولة، إلى استثناء يخضع لشروط قاسية.
تضمنت التعديلات رفع عدد الاشتراكات المطلوبة لاستحقاق راتب التقاعد المبكر لتصبح
360 اشتراكاً فعلياً (أي ما يعادل 30 عاماً من العمل المتصل)، وذلك بغض النظر عن
سن المؤمن عليه عند تقديم الطلب. وسيبدأ التطبيق التدريجي لهذا البند بعد عام 2030
ليستمر حتى عام 2047 للذكور و2041 للإناث.
الأكثر إثارة للجدل في هذا السياق لم يكن فقط
زيادة مدة الخدمة، بل العقوبة المالية (نسبة الخصم) المفروضة على من يختار التقاعد
المبكر. فقد نصت المسودة على مضاعفة نسب الاقتطاع من الراتب التقاعدي لتصبح 4%
بدلاً من 2% المعمول بها سابقاً، عن كل عام يفصل المتقاعد عن سن الشيخوخة
القانوني. هذا يعني أن المتقاعد مبكراً قد يواجه استنزافاً هائلاً في راتبه
التقاعدي، وصفه الخبراء بأنه "نسبة مجحفة جداً" قد تؤدي نظرياً
وتراكمياً إلى تخفيض بعض الرواتب التقاعدية بنسب تصل إلى 60% مقارنة بما كان
متوقعاً.
ثالثاً: مضاعفة متطلبات التقاعد الوجوبي
لم
تقتصر التشديدات على التقاعد المبكر، بل امتدت لتشمل متطلبات التقاعد الوجوبي
(الشيخوخة) نفسه. إذ نص مشروع القانون على زيادة عدد الاشتراكات الشهرية المطلوبة
لاستحقاق راتب تقاعد الشيخوخة من 180 اشتراكاً (15 عاماً) في القانون الحالي،
لتصبح 240 اشتراكاً (20 عاماً)، على أن يسري هذا التعديل اعتباراً من 1/1/2028.
رابعاً: الإصلاح
الإداري وحوكمة المؤسسة (نموذج البنك المركزي)
في خطوة استراتيجية بعيدة الأثر، تضمن مشروع
القانون بنوداً تهدف إلى تعزيز الاستقلالية المؤسسية للضمان الاجتماعي وحوكمة
آليات اتخاذ القرار المالي والاستثماري فيها. بموجب التعديلات، سيتم إعادة هيكلة
المؤسسة وتطوير نموذجها الإداري ليحاكي تماماً "نموذج البنك المركزي
الأردني". يترتب على هذا التغيير إلغاء ارتباط المؤسسة المباشر بالتشكيل
الحكومي السياسي، بحيث يُعين "محافظ" للمؤسسة بقرار من مجلس الوزراء
مقترن بالإرادة الملكية السامية، مع تحديد واضح لمهامه وصلاحياته في بنود القانون،
مما يعني قانونياً وتنفيذياً إقصاء وزير العمل (أو أي وزير آخر في الحكومة) من
رئاسة مجلس إدارة المؤسسة. هذا التعديل، رغم أهميته البالغة في تحصين أموال الضمان
من التدخلات الحكومية والسياسية المباشرة، غاب بشكل لافت عن الخطاب الشعبوي النيابي
خارج القبة، والذي فضل التركيز الحصري على المنافع المالية المباشرة التي تثير
عواطف الناخبين.
خامساً: التحسينات وشراء فترات الخدمة (الوجه الآخر للقانون)
لم يخلُ مشروع القانون من محاولات لتخفيف
الاحتقان وتحسين مستويات المعيشة للفئات الأضعف. فقد تضمنت التعديلات إقرار زيادة
للرواتب التقاعدية المنخفضة للمتقاعدين السابقين، بحيث تم رفع الحد الأدنى للرواتب
ليصبح 200 دينار شهرياً، وهو تعديل من المتوقع أن ينعكس إيجاباً على حياة قرابة 20
ألف مواطن من أصحاب الرواتب التقاعدية المتدنية. إضافة إلى ذلك، وفر القانون نافذة
قانونية تتيح لشروط وفئات معينة "شراء" ما تبقى من اشتراكاتهم
التأمينية، في حال لم يرغبوا في الاستمرار الفعلي في سوق العمل حتى بلوغ السن
القانونية الجديدة (65 عاماً).
تفكيك ظاهرة الخطاب النيابي المزدوج: خارج القبة مقابل داخلها
تتجلى عبقرية الأداء السياسي (وإن كان سلبياً
من منظور التطور الديمقراطي) لبعض أعضاء مجلس النواب الأردني في قدرتهم الفائقة
على هندسة خطابين متوازيين، ومتناقضين في كثير من الأحيان، أحدهما موجه للاستهلاك
الجماهيري المباشر، والآخر موجه للتعاطي مع الآليات الإجرائية والمؤسسية للدولة.
1. الخطاب خارج القبة: الشاشات، المنصات، وصناعة البطولة الفردية
بمجرد
تسريب البنود الأولية لمسودة قانون الضمان الاجتماعي، وإعلان الحكومة موافقتها على
الأسباب الموجبة، انطلقت الماكينة الإعلامية لعدد من النواب عبر قنوات التلفزة
المحلية وبرامج الحوار ، ومنصات التواصل الاجتماعي سريعة الانتشار كفيسبوك وتيك
توك. اتسم هذا الخطاب بمجموعة من السمات السوسيولوجية والسياسية التي تهدف في
مجملها إلى حماية الرصيد الشعبي للنائب:
●
الحتمية اللغوية والرفض المطلق: استخدم النواب عبارات
قاطعة وحتمية لتسجيل مواقف مسبقة ترضي الشارع. برزت تصريحات من قبيل: "هذا
القانون لن يمر بصيغته الحالية مطلقاً"، و"إذا مر القانون على حاله
وسقطت منظومة الضمان الاجتماعي فهي كارثة". هذا النمط من الخطاب، الخالي من
أي التزام حقيقي بإيجاد بدائل تشريعية أو مالية، يهدف بالأساس إلى إرسال رسالة
طمأنة فورية ومجانية للشارع المشحون، مصوراً النائب كدرع حامٍ للمدخرات الوطنية ضد
تغول السلطة التنفيذية.
●
تسطيح الأزمة المركبة واختزالها: تعمد الخطاب الشعبوي
تجاهل التعقيدات الفنية والأرقام الاكتوارية التي تتحدث عن استنزاف مالي مقبل وحجم
صندوق يبلغ 18.6 مليار دينار يواجه ضغوطاً هيكلية. وبدلاً من مناقشة كيفية تجنب
"نقطة التعادل"، تم اختزال النقاش في سردية شعبوية ثنائية الأبعاد تقوم
على فكرة "الحكومة التي تعاقب المواطن البسيط".
●
الاستغلال البصري للقلق المجتمعي: انتشرت مقاطع مصورة
مجتزأة (Reels و TikTok) تظهر مشاهد من فوضى وجلبة واعتراضات داخل
مجلس النواب ، مع تصعيد الخطاب القائل بأن الحكومة رمت عبء سنوات من التراخي
والفشل المتراكم في إدارة استثمارات الضمان على كاهل المواطنين وحدهم. وأكدت بعض
التصريحات، كما جاء على لسان النائب ديمة طهبوب، أن التعديلات "قاسية من
العيار الثقيل" وتشكل إجهاضاً لحقوق المشتركين، مطالبة برفضها جملة وتفصيلاً.
●
سلاح التخوين السياسي (Weaponization of Treason): لعل الأخطر في تطور الخطاب
الشعبوي الأردني هو استخدام لغة قاسية وإقصائية ضد الزملاء في المجلس ذاته،
وممارسة ما يُمكن تسميته بـ "إرهاب المنصة". فقد لجأ بعض النواب إلى وصم
زملائهم الذين يتبنون نهجاً مؤسسياً عقلانياً (أي الذين يوافقون على إحالة القانون
للجنة العمل لمناقشته بدلاً من رده فوراً) بـ "التخاذل" أو ممارسة
"الخيانة" لحقوق العمال والمشتركين. هذا السلوك يخلق بيئة تشريعية سامة،
حيث يخشى النائب المتخصص من اغتيال شخصيته سياسياً، وتشويه سمعته في دائرته
الانتخابية، إن هو تجرأ وتحدث بلغة الأرقام والمصلحة طويلة الأمد بدلاً من لغة
الاسترضاء اللحظي.
2.
الخطاب تحت القبة: البراغماتية، الامتثال الإجرائي، ونقل المعركة
في
تناقض صارخ ولافت مع حدة المواقف التي تم تسويقها خارج القبة، قدمت الجلسة
التشريعية الرسمية المخصصة للقراءة الأولى لمشروع القانون، والتي عُقدت في 4 مارس
2026 برئاسة مازن القاضي وحضور رئيس الوزراء جعفر حسان، مشهداً مختلفاً تماماً.
ورغم المحاولات المتوقعة لافتعال بعض الاحتجاجات الإجرائية حول حصر رئيس المجلس
للحديث برؤساء الكتل النيابية فقط لضبط إيقاع الجلسة ، تكشفت المواقف المؤسسية
الحقيقية للكتل على النحو التالي:
اعتبر النائب صالح العرموطي (ممثلاً عن 31 نائباً) أن توقيت الطرح غير حكيم
في ظل الظروف الإقليمية. واستند إلى المواد الدستورية (91، 92، 128) التي تحظر
المساس بجوهر الحقوق المكتسبة، واصفاً القانون بأنه "خط أحمر" ودعا
لاستفتاء شعبي حوله.
حذر النائب إبراهيم الطراونة من اقتراب الصندوق من نقطة تعادل خطيرة عام
2030 بسبب التغول الحكومي السابق. اعترض بقوة على نسبة الخصم البالغة 4% للتقاعد
المبكر وطالب بإعادتها إلى 2%، كما حذر من التوسع غير الآمن باستثمار أموال الضمان
في السندات الحكومية.
وصف النائب أحمد هميسات التعديلات بأنها "تجميلية"، وطالب
باعتماد تدرج أخف لرفع السن (3 أشهر سنوياً بدلاً من 6)، وإلغاء نسبة الخصم
العقابية، ومحاسبة الإدارات السابقة التي أدارت أموال المشتركين بغير وجه حق.
اشترط النائب زهير الخشمان إخضاع التعديلات لاختبارات مهنية صارمة:
(العدالة، الاستدامة، القابلية للتطبيق). وطالب بخفض الاشتراكات المطلوبة للمبكر
إلى 300 اشتراك بدلاً من 360.
دعا النائب وليد المصري إلى ضرورة تعزيز
الرقابة ومحاربة التهرب التأميني بقوة لتوسيع قاعدة المشتركين كبديل عن الإضرار
بالمنافع، وطالب بتعظيم عوائد الاستثمارات.
النتيجة النهائية لهذه الجلسة الصاخبة إعلامياً
والهادئة إجرائياً، كانت سقوط مقترح "رد القانون" الذي تبنته كتلة العمل
الإسلامي، وتصويت الأغلبية النيابية بالموافقة على إحالة مشروع القانون المعدل إلى
"لجنة العمل والتنمية والسكان النيابية" لمناقشته بالتفصيل وإجراء حوار
وطني حوله. هذا التباين الحاد بين الصراخ في الشوارع والامتثال للإجراء في القاعات
المغلقة يثبت أن الأغلبية البرلمانية تعي، في وعيها الباطن، خطورة الوضع المالي
لمؤسسة الضمان الاجتماعي، وتفضل نقل عبء المعركة من "تحت القبة" (حيث
تسجل المواقف وتُحسب الأصوات علناً أمام الناخبين) إلى "غرف اللجان النيابية
المغلقة"، حيث يبرد الخطاب الانفعالي، ويحل محله التفاوض الفني، والمساومات
السياسية، وتسويات اللحظة الأخيرة.
نقد هندسة الشعبوية النيابية: تفنيد مغالطة التكتيك الانتحاري لـ "رد
القانون"
من
أعمق التحليلات التي واجهت هذا الطوفان الشعبوي، ووضعت النقاط على الحروف فيما يخص
السلوك التشريعي السليم، كان التصريح الاستثنائي والمفصل الذي نشره النائب المهندس
طلال النسور. تُمثل ورقة التوضيح التي قدمها النسور وثيقة سياسية دقيقة تسلط الضوء
على المغالطات التشريعية العميقة للخطاب النيابي الذي تبنى خيار "الرد
المطلق". لقد واجه النسور بشجاعة موجة "بيع الشعبويات" ومسرحيات
"التخوين"، مبيناً لأبناء دائرته الانتخابية في مدينة السلط ومحافظة
البلقاء حجم الخطر الاستراتيجي الذي يحمله هذا الطرح العاطفي.
وفقاً
للقراءة الدستورية والتشريعية الدقيقة التي استند إليها النسور، فإن الاستجابة
للمطالب الشعبوية بـ "رد القانون" فوراً من القراءة الأولى (كما سعت
إليه بعض الكتل المعارضة والنواب الأفراد) تُمثل في حقيقتها "فخاً
استراتيجياً" قاتلاً للمصلحة العامة، وتنازلاً طوعياً من مجلس النواب عن
صلاحياته الأصيلة في تعديل التشريعات. وتتضح ملامح هذا الفخ الدستوري من خلال تتبع
المسار الإلزامي التالي:
1.
الرد والإحالة الفورية: في حال انصاع مجلس
النواب للضغوط وصوت بأغلبية على "رد" (رفض) مشروع القانون، فإن المشروع
لا يموت تشريعياً، بل ينتقل تلقائياً بحكم الدستور إلى الغرفة التشريعية الثانية،
أي مجلس الأعيان (الذي يُعين أعضاؤه إرادياً وغالباً ما تتوافق رؤاه مع الرؤى الحكومية
والاقتصادية الكلية).
2.
تصديق الأعيان للإرادة الحكومية: من المرجح جداً في
التشريعات الاقتصادية المصيرية أن يقوم مجلس الأعيان بالموافقة على مشروع القانون
"كما ورد من الحكومة" دون إعاقة.
3.
سحب الصلاحيات وفقدان "العهدة": إثر موافقة الأعيان،
يُعاد القانون إلى مجلس النواب. ولكن في هذه الجولة الثانية، وبسبب قرار
"الرد" السابق، يكون مجلس النواب قد فقد تماماً حقه الدستوري والقانوني
في فتح مواد القانون ومناقشتها "بنداً بنداً" أو إدخال أي تعديلات
تفصيلية على أرقام أو نسب. سيقتصر دور المجلس حينها على التصويت الإجمالي
بالموافقة أو الرفض على قرار الأعيان.
4.
الجلسة المشتركة وتمرير النسخة الأسوأ: في حال أصر النواب
على الرفض مرة أخرى، ينعقد المجلسان (النواب والأعيان) في "جلسة
مشتركة". ونظراً للتركيبة العددية وتوازن القوى في الجلسات المشتركة، سيتم في
الغالبية العظمى من الحالات تمرير القانون بالصيغة الأصلية التي أرادتها الحكومة
منذ البداية، دون أن يمتلك مجلس النواب أي قدرة على تحسينها لصالح المواطن.
بناءً على هذه الهيكلية المعقدة، يُصبح من
الواضح أن قرار الأغلبية النيابية بإحالة القانون إلى "لجنة العمل والتنمية
والسكان النيابية" ليس بأي حال من الأحوال فعلاً من أفعال التخاذل أو
التفريط، كما حاولت ماكينات صناعة المحتوى الشعبوي تصويره للمواطنين. على العكس
تماماً، الإحالة للجنة هي الإجراء الاستراتيجي الوحيد الذي يضمن إبقاء القانون
الحساس "في عهدة مجلس النواب"، ويمنع انفرط عقده لصالح السلطة
التنفيذية. إن العمل المؤسسي داخل اللجنة سيسمح للنواب بقراءة القانون مادة مادة،
وإجراء جراحة دستورية واقتصادية دقيقة، مثل التدخل لإلغاء أو تخفيض نسبة الـ 4%
المجحفة في التقاعد المبكر، أو تعديل الفترات الانتقالية وسن التقاعد، وتوفير
استثناءات عادلة لأصحاب المهن الخطرة. الخلاصة المستفادة هنا هي أن الشعبوية التي
رفعت لواء الرفض المطلق كانت ستؤدي، في حال انتصارها العاطفي المؤقت، إلى تسليم
الحكومة الأردنية شيكاً على بياض لتمرير نسختها الأصلية التي وصفت بـ
"القاسية" كاملة دون أي نقصان.
مؤشرات الأداء البرلماني الكمية (تقارير راصد): حين تفضح الأرقام مسرحيات
الاستعراض
لا
يمكن تقديم قراءة نقدية متكاملة لظاهرة شعبوية النواب الأردنيين في التعاطي مع
مسألة حساسة كقانون الضمان الاجتماعي بمعزل عن الرصد الكمي الموثق لسلوكياتهم
التشريعية والرقابية العامة. وفي هذا المضمار، تقدم التقارير الدورية التي يصدرها
مركز "راصد" لمراقبة أداء البرلمان (مجلس النواب العشرين) وثائق رقمية
دامغة تثبت وجود خلل بنيوي، وتؤكد فرضية تغليب النواب لـ "الصوت العالي"
والاستعراض المفتعل على حساب "العمل التشريعي والرقابي المؤسسي
والعميق".
تكشف
الأرقام والبيانات الصادرة عن هذه المؤسسات الرقابية المدنية عن حقائق صادمة تنسف
جزءاً كبيراً من السردية البطولية التي يحاول بعض النواب بناءها خارج القبة:
●
موت أداة الاستجواب الرقابية: على مستوى المساءلة
السياسية الحقيقية، سجل مجلس النواب العشرين تقديم 7 استجوابات فقط طوال الدورة،
كانت 6 منها مجرد تحصيل حاصل نتيجة لتحويل أسئلة برلمانية سابقة. والكارثة
الرقابية تكمن في أنه لم يُناقش أي استجواب من هذه السبعة تحت القبة على الإطلاق.
يُعد "الاستجواب" أقوى وأمضى أداة دستورية يمتلكها النائب لطرح الثقة
بالوزراء، أو إسقاط القرارات الحكومية الجائرة، أو إحراج السلطة التنفيذية
بالوثائق. إن تخلي المجلس شبه الكامل عن هذه الأداة الحاسمة، والاكتفاء بالتصريحات
والخطابات العاطفية عبر الشاشات وتطبيقات الهاتف، يمثل دليلاً قاطعاً على أن
الغاية من المعارضة النيابية في كثير من الأحيان هي "الظهور الإعلامي وتثبيت
المواقف" وليس إحداث "التغيير التشريعي والمحاسبة الفاعلة".
●
احتكار الدور الرقابي وكسل الأغلبية: في بند الأسئلة
النيابية، وهو الحد الأدنى المقبول من الممارسة الرقابية، وثق التقرير تقديم 898
سؤالاً نيابياً بمشاركة 105 نواب. إلا أن التحليل العميق للأرقام يُظهر تمركزاً
مخيفاً في الأداء، إذ أن 14 نائباً فقط هم من تكفلوا بتقديم نصف مجموع الأسئلة
التي وجهها المجلس بأسره. هذا الخلل في التوزيع يوضح أن الأغلبية الساحقة من ممثلي
الشعب غير فاعلة، ولا تمتلك القدرة أو الرغبة في ممارسة الرقابة الفنية والتفصيلية
المعقدة (كتدقيق العقود الحكومية، أو فحص الدراسات الاكتوارية للضمان)، وتفضل
بدلاً من ذلك استغلال القضايا "السيادية والجماهيرية الكبرى" كقانون
الضمان الاجتماعي لتعويض رصيدها الرقابي الضعيف والظهور بمظهر المدافع الشرس.
●
طفرة الاستعراض عبر "الاقتراحات
برغبة":سجل أداء المجلس قفزة هائلة وغير مسبوقة في استخدام بند "الاقتراحات
برغبة"، حيث تم تسجيل 34 اقتراحاً (مقارنة باقتراحين فقط في الدورة الأولى
للمجلس السابق، وصفر اقتراحات في المجلس الثامن عشر). من المعروف فقهياً
وبرلمانياً أن "الاقتراح برغبة" هو أضعف الأدوات النيابية على الإطلاق
لافتقاره لأي صفة إلزامية قانونية للحكومة. إن هذا الارتفاع الصاروخي في استخدام
هذه الأداة الخاوية يُفسر بوضوح استراتيجية النواب: إرسال رسائل مجانية وفورية
لقواعدهم الانتخابية مفادها أن النائب "يطالب" و"يتحدث"، دون
أن يضطر لتحمل أي عبء أو تبعة تتعلق بالصياغة التشريعية الفعلية أو الاصطدام
الحقيقي والجاد مع دوائر صنع القرار المالي.
●
التصويت على الموازنة العامة كترمومتر
للشعبوية:تقدم نتائج التصويت على قانون الموازنة العامة للدولة دليلاً إضافياً على هذا
النمط من السلوك الهروبي. فقد سجلت الموازنة العامة لسنة 2026 أدنى نسبة إقرار
برلماني خلال خمس سنوات متتالية، حيث حظيت بموافقة 62% فقط من إجمالي النواب
(مقارنة بـ 67% في عام 2025، و78% في عام 2024، و75% في 2023). من الناحية
التحليلية، هذا الانخفاض الحاد في نسبة الموافقة لا يعكس بالضرورة تراجعاً فنياً
في جودة صياغة الموازنة، بل يعكس تصاعداً في توجه عام لدى شريحة متزايدة من النواب
لرفض السياسات والخطط المالية الحكومية بشكل قاطع وأمام الكاميرات المفتوحة،
كوسيلة درع للهروب من تحمل مسؤولية القرارات الاقتصادية الصعبة، وتجنباً لتحمل غضب
قواعدهم الانتخابية المحتقنة اقتصادياً. إنه ذات النمط النفسي والسياسي الذي يتكرر
اليوم حرفياً في أزمة التعامل مع قانون الضمان الاجتماعي.
الفاعلون
من خارج اللعبة البرلمانية: المجتمع المدني وصوت العقل الاكتواري الغائب
في
الوقت الذي كانت فيه ساحات مجلس النواب، بقبتها وردهاتها، تتنازعها أمواج
الشعبويات وتصفية الحسابات السياسية عبر المطالبات العقيمة برد القانون، كانت
مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، والمراكز البحثية المتخصصة، والخبراء المخضرمون
في مجال التأمينات الاجتماعية، يقودون نقاشاً موازياً اتسم بمستوى عالٍ من النضج،
والمسؤولية الوطنية، والعمق التحليلي. لقد ساهم هذا النقاش الفني الرصين في فضح
حجم الهشاشة المعرفية والسطحية التي اعترت الطرح النيابي العام، والذي اكتفى برفع
شعارات الرفض دون الغوص في جوهر الحلول المستدامة.
لقد
برز دور "المركز الأردني لحقوق العمل (بيت العمال)" من خلال إصداره ورقة
موقف بحثية مفصلية، قدمت تشريحاً نقدياً مزدوجاً للموقف الحكومي والموقف النيابي
على حد سواء. أكد المركز في تحليله أن التركيز الحكومي المحموم والمقتصر على تحقيق
"الاستدامة المالية" الصرفة لصندوق الضمان الاجتماعي لا يمكن، ولن ينجح،
في تحقيق أهدافه العميقة إذا اعتمد فقط على سياسة "تشديد شروط ومعايير
التقاعد" والمزاحمة على جيوب المشتركين وأعمارهم. وطالب المركز بضرورة إجراء
سلسلة من الإصلاحات الهيكلية المتوازية، التي يأتي في مقدمتها التصدي الحازم لآفة
التهرب التأميني، وضبط النفقات المؤسسية المتضخمة، وتعزيز منظومة الحوكمة
والشفافية الرقابية.
أكثر
من ذلك، شددت التوصيات الصادرة عن المركز على أهمية خلق أدوات تأمينية مرنة
ومدعومة حكومياً تسعى بجدية إلى توسيع مظلة الشمول التأميني لتستوعب الفئات الهشة
والمهمشة التي لا تزال تعمل خارج نظام الحماية، وفي مقدمتها العمالة في القطاعات
الاقتصادية غير المنظمة، والمستقلون، والعاملون المستحدثون عبر المنصات الرقمية
(اقتصاد العربات/العمل المرن)، وعمال القطاع الزراعي، وهي شريحة تشكل أكثر من نصف
القوى العاملة الفاعلة في المملكة. والأهم في قراءة المشهد الديمقراطي، أن المركز
انتقد بشدة وبشكل مباشر ما وصفه بـ "غياب الشفافية الحكومية"، والمتمثل
في إحجام السلطة التنفيذية عن نشر تفاصيل ونتائج "الدراسة الاكتوارية"
الشاملة أو حتى ملخصها التنفيذي، والتي بُنيت عليها هذه التعديلات القاسية. كان من
الأجدر بممثلي الأمة في البرلمان، لو كانوا يمارسون دورهم الرقابي بفاعلية، أن
يتبنوا هذا المطلب تحديداً، وأن يضغطوا بقوة قانونية لإلزام الحكومة بعرض هذه
الأرقام المخفية للمناقشة العلنية والتدقيق من قبل جهات مستقلة، بدلاً من إضاعة
الوقت الثمين في تسجيل المواقف الخطابية الفردية حول رفض القانون.
على
خط موازٍ، قدم الخبير المالي والتأميني، والناطق الإعلامي الأسبق باسم مؤسسة
الضمان، موسى الصبيحي، مقاربة نقدية فنية رصينة وموضوعية لتشوهات التعديلات
الحكومية. فقد وضع الصبيحي يده على خلل فلسفي جوهري في بنية التعديلات، منتقداً
بشدة البند الذي يتيح بمرونة صرف "تعويض الدفعة الواحدة" للمؤمن عليهم
الذين لم يستوفوا بعد شروط الراتب التقاعدي الكامل. واعتبر الصبيحي أن التسهيل في
هذا الإجراء يتناقض بصورة صارخة مع الهدف الأسمى والأول لإنشاء مؤسسة الضمان
الاجتماعي، والمتمثل في توفير ديمومة "أمن الدخل" للمواطنين وحمايتهم من
غوائل الفقر في سن الشيخوخة، وليس مجرد توفير سيولة نقدية مؤقتة سرعان ما تتبدد.
وفي
الوقت عينه، ورغم نقده اللاذع والموثق للنسبة "المجحفة" البالغة 4%
كاقتطاع سنوي على التقاعد المبكر، ورفضه للرفع الحاد والمبالغ فيه لسن التقاعد
(إلى 65 عاماً للذكور)، إلا أن الصبيحي لم ينكر الحقيقة المرة التي حاول النواب
تجاهلها: وهي أن الصندوق يواجه تحديات حقيقية تتطلب حلولاً وتدخلات عاجلة، مؤكداً
أن الحلول يجب أن تكون واقعية وتتناسب مع بيئة اقتصادية تعاني من نمو ضعيف يراوح
مكانه دون حاجز الـ 3%، دون الحاجة للتضحية بأسس المنظومة الاجتماعية أو تدمير
الثقة بها.
في
مفارقة ذات دلالة سياسية واجتماعية هامة، برز موقف "مرصد الفينيق للدراسات
الاقتصادية والمعلوماتية" والذي اتسم ببراغماتية عالية في تقييم التراجعات
الحكومية الأخيرة. فقد أبدى المرصد موقفاً مرحباً بقرار الحكومة التكتيكي المتمثل
في اعتماد منهجية "التطبيق التدريجي"، وتأجيل نفاذ التعديلات الجوهرية
لرفع سن التقاعد الوجوبي ليبدأ التطبيق الفعلي اعتبارا من عام 2030 ليمتد حتى عام
2040 للشيخوخة، وحتى 2047 للتقاعد المبكر. رأى خبراء المركز أن هذا التدرج يساهم
بشكل فعّال في تجنب إحداث "صدمة تشريعية" عنيفة من شأنها إرباك منظومة
الحماية برمتها، وأنه يمثل أداة مقبولة للحفاظ على "الحقوق المكتسبة"
للمشتركين الحاليين الذين اقتربوا من سن التقاعد وتقليل أعداد المتضررين مباشرة.
هذا الموقف البراغماتي والعقلاني الصادر عن
مؤسسات رصينة في المجتمع المدني، يصطدم مباشرة ويُعري رغبات الاستعراض لدى النواب
الشعبويين. فالنواب، في خطابهم التهييجى خارج القبة، صوروا مجرد مناقشة المساس
ببنية القانون أو تعديل أي من نسبه على أنه بمثابة خيانة وطنية وانهيار شامل وغير
قابل للإصلاح لمنظومة العدالة الاجتماعية، رافضين الاعتراف بأي ضرورة لموازنة
الكفة المالية. إن هذا التصادم في الرؤى يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك غياباً
مؤسفاً للمعايير الدستورية الصارمة والضوابط القانونية (كمعيار الضرورة الملحة،
ومعيار التناسب بين الهدف ووسيلة تحقيقه، ومبدأ حماية الثقة المشروعة للمواطن في
قوانين دولته) في معظم المداخلات النيابية، حيث تم إقصاء هذه المفاهيم القانونية
المعقدة لصالح الشعارات الفضفاضة، والعبارات الرنانة التي تدغدغ عواطف الجماهير
ولا تؤسس لتشريع مستدام.
الخلاصات الاستراتيجية والتوصيات المستقبلية
يكشف
هذا التحليل المعمق لمسار مشروع قانون الضمان الاجتماعي (نسخة 2026)، والتباينات
الحادة التي رافقت تداوله بين جدران مجلس النواب وشاشات الإعلام ومنصات الفضاء
الرقمي، عن أزمة هيكلية وبنيوية مقلقة في طبيعة الممارسة الديمقراطية والتشريعية
الأردنية المعاصرة. إننا أمام قانون تشريعي مفصلي يتضمن حزمة من القرارات المالية
المصيرية التي تحدد شكل مستقبل مئات الآلاف من الأسر الأردنية، وتتحكم في بوصلة
استثمارات وطنية سيادية تقارب قيمتها 19 مليار دينار أردني، وتمس مباشرة بنية سوق
العمل وقدرته على استيعاب الشباب. ومع ذلك، نجد أن هذا الملف الحساس يُترك ليتقاذف
ككرة نار بين أمواج "النجاة السياسية الفردية" للنواب الباحثين عن شعبية
سريعة الزوال.
استناداً
إلى المعطيات التحليلية، والمقاييس الرقمية، والقراءات الدستورية الموثقة التي
أوردها هذا التقرير، يمكن بلورة الخلاصات الاستراتيجية والتوصيات التالية كخارطة
طريق لإصلاح الخلل:
أولاً:
خطورة التكتيكات الصفرية والتفكير الانتحاري تشريعياً أثبت الخطاب الشعبوي الرافض قطعياً لأي مساس
بالتعديلات خارج القبة، والمقترن بالجهود الرامية لِـ "رد القانون"
وإسقاطه في مراحله الأولى داخلها، أنه يمثل حالة متقدمة من "قصر النظر
التشريعي" والخطر السياسي البالغ. فكما كُشف بوضوح من خلال التحذيرات
والتصريحات المضادة لبعض النواب المدركين لخطورة اللعبة (مثل النائب طلال النسور)،
فإن هذه التوجهات الشعبوية كانت لتقود، لو قُدر لها حشد الأغلبية المطلوبة للنجاح،
إلى ارتكاب خطأ استراتيجي فادح، يتمثل في إهداء الحكومة نصراً سياسياً وتشريعياً
مجانياً؛ إذ أن الدفع برد القانون كان سيفتح الباب على مصراعيه لتمرير التشريعات
الحكومية الأصلية والقاسية دون أي مساس أو تعديل، وذلك عبر الالتفاف المؤسسي من
خلال بوابة مجلس الأعيان والجلسات التشريعية المشتركة التي ترجح كفة الرؤية
الحكومية. إن حماية حقوق المواطنين لا تتأتى من خلال إلقاء السلاح التشريعي مبكراً
عبر الرد العاطفي، بل عبر الاشتباك الفني الدقيق لانتزاع التعديلات العادلة.
ثانياً:
فجوة الثقة بين الأداء الإعلامي والانحسار الرقابي تتناقض الحدة الخطابية اللافتة والعبارات
النارية التي يطلقها العديد من النواب إعلامياً بشكل فاضح مع مؤشرات ضعفهم الرقابي
المؤسسي وكسلهم التشريعي الموثق بالأرقام. إن مجلساً نيابياً لا يستطيع، أو لا
يرغب، في إجبار الحكومة على مناقشة استجواباته السبعة الوحيدة، ويترك عبء ممارسة
الدور الرقابي التفصيلي من خلال الأسئلة النيابية لعدد محدود جداً لا يتجاوز 14
نائباً يحتكرون نصف الحراك الرقابي، لا يمكن التعويل عليه في إدارة ملف اقتصادي
بحجم استدامة الضمان الاجتماعي. إن هذا التناقض المستمر، والاعتماد المفرط على
الأدوات الضعيفة مثل "الاقتراحات برغبة"، يؤدي إلى تآكل بطيء وخطير في
ثقة المواطن بكفاءة وقدرة المؤسسة التشريعية برمتها، ويعزز القناعة بأن البرلمان
بات مجرد مسرح خلفي لتمرير السياسات.
ثالثاً:
ضرورة إعادة هندسة مساحات النقاش نحو اللجان المختصة بات من الضرورة القصوى والحتمية على
"لجنة العمل والتنمية والسكان النيابية"، التي آلت إليها عهدة هذا
القانون الإشكالي، أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية وأن تتجاوز كافة الفخاخ الشعبوية
وحملات التخوين الممارسة من بعض أعضاء المجلس. يُفترض باللجنة أن تدير ما أُطلق
عليه "الحوار الوطني الموسع" بآليات علمية ومؤسسية صارمة، بعيداً عن
المزايدات. يجب أن يتركز هذا الحوار حول المطالبة بالحقائق المجردة؛ عبر الاستدعاء
الرسمي للخبراء الاكتواريين المستقلين، وإلزام الحكومة بمناقشة الدراسات المالية
بشكل علني وشفاف، وتطبيق معايير الإصلاح الثلاثة التي اقترحها التيار البرلماني
الوسطي العقلاني: معيار العدالة (في توزيع الأعباء بين المشتركين)، ومعيار
الاستدامة (للصندوق المالي)، ومعيار القابلية للتطبيق (ضمن الظروف الاقتصادية الضاغطة).
في المحصلة النهائية، يظل مشروع تعديل قانون
الضمان الاجتماعي الأردني لسنة 2026 خط التماس الأبرز والأعنف بين سلطة تنفيذية
تسعى بكل السبل والأدوات لدرء خطر الإفلاس المستقبلي وإعادة هيكلة أدوات الحوكمة
المركزية، وبين مجلس نواب ممزق ومشتت الانتباه بين مسؤولياته الدستورية والأخلاقية
بصفته جهة تشريع ورقابة، وبين ضغوط شارع قلق، محتقن، وفاقد للثقة بالإدارات
الاستثمارية والتنفيذية المتعاقبة. إن عبور هذا المأزق التشريعي والاقتصادي
الحساس، بأقل قدر ممكن من الخسائر المجتمعية والسياسية، لا يتطلب نواباً يبيعون
الوهم الاستعراضي على منصات التواصل الاجتماعي وفي البرامج الحوارية المسائية، بل
يتطلب في هذا المنعطف الدقيق مشرّعين يمتلكون الشجاعة الكافية لتفكيك الألغام
الفنية وتفكيك نصوص القوانين عبر طاولات اللجان المغلقة، حمايةً للمشترك الذي يعرق
اليوم، وضماناً حقيقياً لمستقبل المتقاعد الذي سينتظر غداً أمانه المالي.




