النائب أروى الحجايا
يقول أهل البادية "فلان أخذ دكلمة"، فيفهم السامعون أن الأمر ليس صدقةً جارية، ولا هديةً بريئة، ولا مكافأةً مستحقة، بل هو ذلك المبلغ الذي يسير خلف المال الكبير كما يسير الظل خلف صاحبه، لا يُرى في الأوراق الرسمية، لكنه حاضر في الحسابات الحقيقية.
والدكلمة، لمن لم يتخصص في هذا الفرع المتقدم من علوم الارتزاق، هي ذلك الكائن المالي اللطيف الذي يولد تلقائياً كلما وُلد مشروع ضخم أو عطاء كبير أو صفقة دسمة. فإن كان الأصل مليوناً، جاءت الدكلمة مزهوة بمائة ألف، وإن كان الأصل مائة ألف، حضرت بعشرة آلاف، وكأنها ضريبة طبيعية فرضتها قوانين الجاذبية الأخلاقية المعكوسة.
وللدكلمة قدرة عجيبة على التلون حسب البيئة التي تعيش فيها؛ فهي في مكان "خرجية"، وفي آخر "كروة"، وعند بعضهم "إعطية"، وعند آخرين "هدية"، وفي بعض المجتمعات "شرهة"، أما في البيئات الأكثر تطوراً فقد ارتقت إلى مناصب عليا فأصبحت تسمى "بدل تمثيل"، أو "مكافأة خاصة"، أو "مهمة خارجية"، أو "ورشة عمل"، أو "لجنة فنية"، أو "بعثة دراسية"، أو أي اسم آخر ينجح في تحويل الرشوة من جريمة إلى إنجاز إداري.
والعجيب أن الدكلمة لا تُدفع لقاء عمل، بل لقاء تسهيل العمل. لا تُعطى للمجتهد، بل لمن يملك مفتاح الباب. فهي لا تكافئ الإنتاج، بل تكافئ النفوذ. ولا تحترم الكفاءة، بل تحترم القدرة على مدّ اليد في الوقت المناسب دون أن تلتقطها الكاميرات.
وقد تطورت الدكلمة حتى أصبحت مؤسسة فكرية متكاملة. فهناك من يتقاضى دكلمة ليوافق، وآخر ليصمت، وثالث ليؤجل، ورابع ليُمرر، وخامس ليغض البصر عن خطأ لو ارتكبه فقير لأقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوها.
أما المواطن البسيط، فهو الكائن الوحيد في هذه المنظومة الذي لا تصله الدكلمة أبداً. يدفع الضرائب كاملة، والرسوم كاملة، والغرامات كاملة، ثم يُطلب منه أن يشكر الجميع على جهودهم في مكافحة الفساد، ذلك الفساد الذي يشبه السراب؛ تكثر الأحاديث عنه، وتقل مشاهداته على أرض الواقع.
ومن طرائف الدكلمة أنها كلما كبرت، صغر اسمها. فالرشوة الصغيرة تبقى رشوة، أما الكبيرة فتتحول إلى "ترتيب"، ثم إلى "تفاهم"، ثم إلى "تنسيق"، ثم إلى "شراكة استراتيجية"، حتى تصل في بعض الأحيان إلى مرتبة "مصلحة وطنية عليا"، فيصبح الاعتراض عليها ضرباً من قلة الفهم وضعف الوطنية!
ولأن الدكلمة أصبحت جزءاً من الثقافة غير المعلنة، فقد نشأ جيل كامل يعتقد أن النجاح لا يحتاج إلى علم ولا إلى جهد ولا إلى إبداع، بل إلى معرفة الطريق المختصر بين الجيب والقرار. فإذا رأى نزيهاً تعجب منه، وإذا رأى فاسداً ناجحاً قلّده، وإذا رأى حقاً ضائعاً قال: "يبدو أن صاحبه لم يدفع الدكلمة المناسبة."
لكن الأمم لا تنهض بالدكالم، بل تنهض بالعدل. ولا تبنى الأوطان بالأعطيات الخفية، بل بالكفاءة والشفافية. فكل دكلمة تُدفع اليوم هي حجر يُنزع من أساس العدالة، وكل امتياز غير مستحق هو حق مسلوب من مستحقه الحقيقي.
لذلك فإن أخطر ما في الدكلمة ليس المال الذي يُؤخذ، بل القيم التي تُسرق، والثقة التي تُهدم، والضمائر التي تُعوَّد على أكل الحقوق باسم المجاملة، والتجاوز باسم التقدير، والفساد باسم الكرم.
اللهم دكلمنا بالحلال من فضلك، ولا تجعل أرزاقنا معلقة بدكالم الناس، واصرف عنا دكالم النصب والاحتيال، فما أكثر الدكّامين، وما أقل من يخجلون من أفعالهم.



