د. راشد الشاشاني
تناولت الصحف الامريكية انكشاف حجم الفجوة بين ترامب ونتنياهو بعد جدل عدم التنسيق بينهما بخصوص ضرب اسرائيل مواقع مدنية في ايران . لم تكن فجوة الخلاف هذه وليدة مقالات الصحف ، لقد كانت نتيجة لخطة صنعتها ماكينة نتنياهو التي ارادت تقديم دفعة اكثر قوة لترامب باتجاه وادي المجهول الايراني . خطة نتياهو تحركت بفعل التقاط حساسات سير العمليات التي اشارت الى محاولات ترامب المتعدّدة لترك اسرائيل في مهب ريح المواجهة على جبهات عدّة وتشكيل انسحاب امريكي مفاجيء .
هذا الانسحاب الذي ظهر جليا في تهديد ترامب ؛ حين امهل فيه ايران مدة 48 ساعة ؛ قبل ان يتراجع عنه بمنح ايران مهلة خمسة ايام ، كان في الحقيقة قد اعطاها لنفسه ؛ لم يكن ترامب جادّا في تهديده ؛ فلو كان باستطاعته تنفيذ ما هدّد به لفعل ، لن يتونى عن تحقيق نصر وعد العالم بع قبل شعبه خلال ساعات لكنه فشل في تحقيقه خلال اسابيع ، تقف خلف عدم استطاعته هذه اعتبارات اقتصادية وعسكرية وسياسية لا يمكنه تحمّلها .
مطالعتنا تشير الى ان مدة الساعات الاولى منذ بدء التهديد لم تكن كافية لتحرّك ايراني يناشد التفاوض ، ويتم بناء عليه تفاوض مثمر ـ كما زعم ترامب ـ لقد حاول ترامب استغلال بغض نقاط الاتصال ، التي لم تنقطع ربما ؛ لترتيب دهليز الخروج هذا ، ولو كانت المفاوضات ممتدّة فعلا كما وصفها قبل مدّة الساعات هذه ؛ لما كان بحاجة الى اطلاق تهديده اصلا .
اما فكرة الحيلة و " الخديعة الثالثة " فهي لا تصلح لوصف هذه التشكيلة ؛ سيّما مع تنبّه الجانب الايراني واستعداده لهذا السيناريو واستمرار الاستهدافات حتى اللحظة ، والحديث عن " تفاوض امريكا مع نفسها " وفقا للمتحدث باسم مقر خاتم الانبياء ، علاوة على سلسلة النفي الايراني التي حاول فيها ترامب دق اسافين الفُرقة بين رجال النظام الايراني ، في حديثه المسالم والمادح لقاليباف ومجموعة المسؤلين الذين " يمكن التحدث معهم " تماما كما في فكرة اشاعة وجود جواسيس داخل رجال النظام ذاته التي تحدثنا عنها سابقا .
مع كل ذلك لا يترك ترامب عين مراقبة فرصة تلوح فجأة ؛ يمكنه معها الانقضاض على النظام الايراني ، ربما مستغلّا فترة هدوء تمكّن قوات البحرية من الوصول الى مواقعها قرب ايران والاستعداد لتنفيذ عملية لا زالت حسابتها حتى اللحظة تندرج ضمن تصنيف الانتحار ؛ قد تدخل حالة الحذر الايراني التي تصرف الانتباه الى ناحية ما ؛ في ذات الوقت الذي تذهل فيه عن اخرى عاملا حاسما في حسابات ترامب .
لم يكن نتنياهو بعيدا عن حسابات ترامب هذه ، اضطر لتسريع وتوسيع هجماته على لبنان وحزب الله ؛ مُتحسّبا لأيّة مفاجئة قد تضطره الى المتابعة وحيدا ، او ربّما التوقف رغما عنه ؛ لأنّه ايضا لم يفلح في تسديد هدف واحد في شباك خصمه ، أمّا مآلات هذه الحالة : فانها تتّسع عن مساحة هذه السطور ؛ نتركها الى موقع آخر سيّما مع شروط اطراف الصراع التي لن يقبل بها اي منهم ؛ ومع ذلك لازالت الدعاية ترفع من شأن هذا التفاوض .




