القلعة نيوز: ماهر البطوش
حين يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع بتفاصيل حياته الطبيعية، ويصبح الواقع أقل إبهار في عينيه من المشاهد التي يراها يومياً عبر الشاشة، فإن الخلل لا يكون في الحياة نفسها، بل في المعايير التي أُعيد تشكيلها داخل العقل والوجدان دون أن يشعر. فالتعرض المستمر للمحتوى الرقمي المبالغ فيه لا يغير طريقة المشاهدة فحسب، بل يعيد صياغة المشاعر والتوقعات ونظرة الإنسان لعلاقاته وأسرته وحتى لذاته، حتى يصبح الرضا أمر صعب، وتتحول المقارنة إلى حالة دائمة تستنزف الاستقرار النفسي والإنساني.
لقد أصبحت بعض المنصات الرقمية والدراما الحديثة تصنع واقع موازي للحياة الحقيقية؛ واقع قائم على المبالغة، والاستعراض، والصور المثالية المصطنعة، حتى بات كثير من الناس ينظرون إلى حياتهم الطبيعية وكأنها ناقصة أو أقل قيمة. فالعقل الذي أُغرق بالمشاهد السريعة والصور المعدلة والتفاصيل المصممة بعناية لأجل جذب الانتباه، يفقد تدريجياً قدرته على تقدير البساطة، ويصبح أكثر تعلق بالإثارة اللحظية وأقل إحساس بجمال الواقع الحقيقي.
ومع مرور الوقت لا يبقى تأثير هذه الشاشات محصور في الترفيه أو إضاعة الوقت، بل يمتد إلى تكوين الإنسان النفسي والعاطفي والاجتماعي، فتبدأ العلاقات الإنسانية بالتراجع بصمت، ويضعف الحوار داخل الأسرة، وتصبح الأجهزة أقرب إلى الإنسان من الأشخاص الذين يعيشون معه تحت السقف ذاته. وهنا تتشكل واحدة من أخطر الأزمات الصامتة في العصر الحديث؛ أزمة الفتور الإنساني، والانفصال العاطفي، وفقدان القدرة على التواصل الحقيقي.
فكثير من البيوت اليوم لا تعاني من غياب الإمكانيات أو انعدام المشاعر، بل تعاني من حضور الشاشات المفرط، ومن استنزاف الإنسان ذهنياً وعاطفياً حتى أصبح يعيش جسداً في الواقع، وعقلاً في العالم الرقمي. وهذا التأثير الخطير لم يعد مجرد قضية اجتماعية أو تربوية، بل أصبح تحدي يمس الأمن الأسري والاستقرار المجتمعي، الأمر الذي دفع التشريعات الحديثة إلى الالتفات نحو مخاطر الفضاء الرقمي وآثاره المتزايدة على الإنسان والأسرة.
وقد أدرك الدستور الأردني أهمية حماية الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، فنصت المادة (6/4) من الدستور الأردني على أن: "الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، يحفظ القانون كيانها الشرعي ويقوي أواصرها وقيمها" ويحمل هذا النص دلالة دستورية عميقة تؤكد أن حماية الأسرة ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل التزام قانوني ودستوري يستوجب الحفاظ على كل ما يعزز الترابط الإنساني والقيم الاجتماعية، خاصة في مواجهة التحديات الحديثة التي تهدد البناء الأسري بصورة غير مباشرة.
كما جاء قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023 ليعكس إدراك المشرّع لخطورة المحتوى الرقمي وانعكاساته على الأمن المجتمعي، حيث نصت المادة (17) منه على تجريم كل فعل يتم عن قصد باستخدام الشبكة المعلوماتية أو أي وسيلة تقنية معلومات لنشر أو إعادة نشر أو إرسال أي محتوى من شأنه إثارة النعرات أو المساس بالسلم المجتمعي أو التحريض على الكراهية أو الدعوة إلى العنف أو تبريره أو ازدراء الأديان، مع تقرير عقوبات جزائية تشمل الحبس والغرامة. وهو ما يؤكد أن المشرّع لم يعد ينظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مساحة ترفيهية محايدة، بل مجال قد يشكل تهديد مباشر للبنية الاجتماعية إذا استُخدم بشكل منحرف عن غاياته المشروعة.
أما قانون حقوق الطفل الأردني رقم (17) لسنة 2022، فقد أولى حماية الطفل من مخاطر البيئة الرقمية اهتماماً واضحاً، إذ نصت المادة (8/ب) منه على التزام الجهات المختصة باتخاذ كافة الإجراءات التي تحول دون تعرض الطفل أو وصوله إلى أي محتوى ينطوي على الإباحية أو الإساءة أو الاستغلال، كما أكدت المادة (20) من القانون نفسه حق الطفل في الحماية من كل ما يمس سلامته النفسية أو الجسدية أو يعرضه للإساءة والاستغلال، الأمر الذي يعكس إدراك المشرع الأردني لخطورة المحتوى الإلكتروني وتأثيره المباشر على وعي الأطفال وتكوينهم النفسي والسلوكي والأخلاقي.
ورغم أهمية هذه النصوص القانونية، إلا أن الحقيقة الأعمق تكمن في أن القوانين وحدها لا تستطيع إعادة الإنسان إلى ذاته ما لم يدرك بنفسه حجم التأثير الذي صنعته الشاشات في يومه ومشاعره وعلاقاته. فالإدمان الرقمي لا يبدأ دائماً بعدد ساعات طويل، بل يبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على الجلوس مع نفسه دون هاتف، أو حين تصبح لحظات الصمت مقلقة بالنسبة له أكثر من الضجيج المستمر الذي تفرضه المنصات الحديثة.
ولهذا أصبحت الحاجة اليوم ملحة لإعادة بناء العلاقة مع الحياة الواقعية، ومحاولة استعادة الإنسان لوعيه وهدوئه بعيداً عن التدفق البصري المتواصل. فالابتعاد عن الشاشات لفترات متقطعة لم يعد رفاهية أو مجرد نصيحة نفسية، بل أصبح ضرورة حقيقية لإعادة التوازن العقلي والعاطفي. فالإنسان حين يبتعد قليلاً عن العالم الرقمي، يبدأ باستعادة قدرته على التركيز، ويشعر بقيمة التفاصيل البسيطة التي سلبتها منه السرعة الرقمية، ويكتشف أن الحياة الحقيقية أكثر دفئاً وصدقاً من أي صورة أو مشهد عابر.
إن تكوين حياة أخرى بعيدة عن الشاشات أصبح حاجة إنسانية قبل أن يكون خيار شخصي؛ حياة تقوم على الحوار الحقيقي، والقراءة، والرياضة، واللقاءات العائلية، والعمل التطوعي، والتأمل، والارتباط بالطبيعة والناس، لا بالخوارزميات والمقارنات والاستعراضات اليومية. فالعلاقات لا تُبنى بعدد المتابعين، والاستقرار النفسي لا يتحقق بكثرة المشاهدة، والطمأنينة لا تصنعها الإشعارات المتلاحقة، بل يصنعها شعور الإنسان بأنه حاضر فعلاً في حياته، لا مجرد متفرج عليها من خلف شاشة.
إن أخطر ما قد تفعله الشاشات بالإنسان ليس أنها تسرق وقته فقط، بل أنها قد تسرق منه إحساسه الحقيقي بالحياة دون أن يشعر. ولهذا، فإن أعظم استراحة قد يحتاجها الإنسان اليوم ليست استراحة جسدية، بل استراحة من هذا الضجيج الرقمي المتواصل، حتى يتمكن من رؤية واقعه بعين أكثر هدوءاً، وقلب أكثر رضاً، وروح أكثر قرباً من الحياة الحقيقية.




