عبدالكريم الشنون مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
إن القانون في جوهره ليس مجرد نصوص جافة أو عقوبات رادعة، بل هو "درع المجتمع" الذي يحمي الضعيف من تغوّل القوي، والضمانة الأسمى لتحقيق جودة الحياة والعدالة الاجتماعية. ولا يمكن الحديث عن تمكين حقيقي للمرأة، أو كبار السن، أو ذوي الإعاقة، دون وجود مظلة قانونية فاعلة تحول حقوقهم من "منحة" عابرة إلى "استحقاق" ملزم. ومن منطلق الاختصاص الحقوقي، أضع "خماسية القانون" كقواعد أساسية لترسيخ الأمن الحقوقي في مجتمعاتنا.
ويأتي في صدارة هذه القواعد؛ محور الوصول الميسّر للعدالة والناجز للحقوق؛ إذ لا قيمة لنص قانوني يظل حبيس الأوراق لسنوات في ردهات المحاكم. إن التمكين القانوني يبدأ من تبسيط إجراءات التقاضي، وتوفير المعونة القانونية المجانية للفئات غير القادرة، وضمان سرعة الفصل في القضايا التي تمس معيشة الناس وكرامتهم. فجودة الحياة القانونية تتجسد في نظام قضائي يشعر فيه المواطن البسيط، حتى في أبعد قرية أو بادية، أن حقه مصانٌ وأنه قادر على استرداده بيسرٍ وكرامة دون عناءٍ مادي أو إجرائي.
ويتوازى مع ذلك محور الحماية القانونية من العنف والتمييز، وهي القاعدة التي تحمي السلم الأهلي والاستقرار الأسري. فالتمكين هنا يتطلب تشريعات صارمة تجرّم كافة أشكال العنف الجسدي واللفظي والاقتصادي، خاصة تلك الموجهة ضد الفئات الأكثر عرضة للتهميش. إن "الأمن الشخصي" هو حق أصيل يفرضه القانون، والوعي بهذا الحق هو الخطوة الأولى لكسر حاجز الصمت؛ فالمواطنة القانونية الحقّة هي التي توفر بيئة آمنة تمنع الضرر قبل وقوعه، وتعالج آثاره بحزمٍ وإنسانية.
وفي سياق متصل، يبرز محور الحقوق الاقتصادية والذمة المالية المستقلة كضرورة ملحة؛ فالعوز المادي هو البوابة الأولى لانتهاك الكرامة، والقانون هو الحارس للحقوق المالية للفئات الضعيفة. إن تمكين المرأة في ميراثها، وحماية أجور العمال، وصون مدخرات كبار السن، هي ركائز استقرار يحميها الشرع والقانون. وعندما يضمن القانون الاستقلال المالي للفرد، فإنه يمنحه القوة لاتخاذ قراراته بحرية، ويحميه من الابتزاز أو التهميش، مما يعزز من منعة المجتمع وقدرته على الإنتاج.
كما يمتد التمكين ليشمل محور الملاءمة القانونية لاحتياجات ذوي الإعاقة وكبار السن؛ حيث يجب أن يراعي القانون "الخصوصية الإنسانية" لهذه الفئات في كافة التشريعات. إن التمكين القانوني هنا يتجاوز مجرد الرعاية إلى "الإدماج الكامل"؛ من خلال قوانين تفرض تهيئة البيئة المحيطة، وتضمن حق العمل المنصف، وتوفر تغطية صحية شاملة تحترم تضحياتهم؛ فرقيّ الأمم يقاس اليوم بمدى قدرة قوانينها على استيعاب الفئات الأكثر احتياجاً ومنحهم حياة كريمة تليق بإنسانيتهم.
وأخيراً، ينعقد الأمل على محور التوعية القانونية ونشر الثقافة الحقوقية؛ فمن لا يعرف حقه لا يملكه، والجهل بالقانون هو العدو الأول للتمكين. إن "المواطنة الواعية" تتطلب جهداً وطنياً منظماً لنشر الثقافة القانونية في المدارس، والجامعات، وعبر المبادرات الميدانية. فعندما يدرك كل فرد حقوقه وواجباته، ننتقل من ثقافة "الاستجداء" إلى ثقافة "المطالبة بالحق"، ونبني مجتمعاً قائماً على سيادة القانون والمسؤولية المشتركة.
ختاماً..
إن هذه الخماسية هي لبنة في بناء جودة الحياة التي نرجوها، وجزء من رؤية أوسع لتمكين الإنسان وصون كرامة الأوطان.




