جمعة الشوابكة
لا تفقد الكراسي هيبتها فجأة، بل حين تتراكم عليها اختيارات خاطئة حتى يصبح المنصب أكبر من شاغله. المشكلة ليست في الكرسي ذاته، بل في من يتعامل معه كامتياز لا كاختبار. في كثير من دول العالم الثالث، لا يُقاس الأداء بقدر ما يُقاس البقاء، ولا تُبنى القرارات على رؤية بقدر ما تُدار بردود فعل، فيتحول الحكم من مسؤولية طويلة المدى إلى إدارة لحظة قصيرة لا ترى أبعد من مصالحها.
عندما يغيب المعنى الحقيقي للخدمة العامة، يتغير كل شيء دون ضجيج. تُصبح السياسة مساحة للمناورة لا للإصلاح، ويصبح القانون قابلا للتأويل حسب الحاجة، وتفقد المؤسسات قدرتها على الفعل تدريجيًا حتى تبقى كأسماء دون مضمون. هنا لا تحتاج الفوضى إلى إعلان، فهي تنمو بهدوء داخل التفاصيل الصغيرة، في القرارات المؤجلة، وفي الفرص التي تُهدر، وفي الثقة التي تتآكل ببطء.
المفارقة أن الشعارات تبقى كما هي، بل قد تصبح أكثر حضورا، لكن الفجوة بينها وبين الواقع تتسع. يُقال الكثير عن الوطنية، بينما تُقاس الحقيقة بما يحدث فعليًا على الأرض. فالوطن لا يُدار بالكلمات، بل بكيفية حماية موارده، وبقدرة مؤسساته على العمل، وبإحساس المواطن أن له مكانًا في المعادلة لا مجرد دور هامشي.
الكرسي في جوهره ليس مكافأة، بل مسؤولية ثقيلة. ومن لا يدرك هذا، لن ينجح في حمله مهما طال بقاؤه. فالهيبة لا تأتي من المنصب، بل من طريقة إدارته، ومن القدرة على اتخاذ القرار الصحيح حين يكون مكلفًا. وفي النهاية، لا يُختبر الحكم بما يقال عنه، بل بما يتركه خلفه من أثر.



