حسين الرواشدة
كيف نحصّن مجتمعنا من عدوى الانقسامات ؟ الإجابة سهلة وصعبة معاً ، عنوانها استدعاء معنى الدولة وفرض حضورها وهيبتها بالقانون ، حين يقتنع الجميع ويطمئنون إلى حركة إدارات الدولة وفاعليتها وإنتاجيتها يتوحدون تحت مظلتها ، ولا يلتفتون إلى فزّاعات العبث في عداداتهم الوطنية ، الدولة الأردنية قادرة دوماً على فعل ذلك، ما نحتاجه اليوم هو تفعيل الإرادة والقدرة ، وبناء مصدات الوعي على الأردن ومن اجله ،أقصد منصات الهوية الوطنية الأردنية ، وأن نفكر أردنياً ببلدنا ومصالحه وأسباب عافيته، لا أن نجلس على مدرجات المتفرجين ونتبادل الاتهامات ، او نوزع صكوك الولاءات والبراءات.
ما حدث في الملاعب ، حدث قبل ذلك في الشارع ، ويحدث أيضا في الغرف المغلقة، ثمة من يحاول اختطاف مجتمعنا والعبث في نواميسنا الوطنية ، هذه وقائع يجب أن ندركها ونتعامل معها بجدية ، انقسام المجتمع على أي قضية ، وتحت اي لافتة ، هو الوصفة المطروحة والمطلوبة في منطقتنا لتمرير أجندات الفوضى التي تفرضها تحولات عميقة لم تعد تخفى على أحد ، بلدنا ليس استثناءً، والهجمة المنظمة التي يتعرض لها ليست صدفة ، ثمة من يريد أن يكسب على جبهة السياسة بصرف النظر عن الخسارات التي سيدفعها المجتمع ، هؤلاء يجب أن نقول لهم : توقفوا عن العبث في نسيجنا الوطني والاجتماعي ، الأردن لا يقبل القسمة على اثنين ، وطن واحد موّحد، شجرة مباركة ، زيتونة لا شرقية ولا غربية.
أمام عواصف الغبار التي يحاول البعض إثارتها ، باسم السياسة أو الرياضة ، وما تحمله من صور التشكيك ،وقسوة الاتهامات ، لاختراق جبهتنا الداخلية ، وتقويض علاقة الأردنيين ببعضهم وبدولتهم، لابد أن يتحرك العقلاء ليقولوا كلمتهم، استدعاء الحسّ الوطني الأصيل مهم وضروري ، إعادة الإعلام إلى دوره ومكانته ، كذراع للدولة ، مهم أيضاً، امتحان الانتماء للأردن يكمن في تحصين الذات الأردنية ، كل رصاصة إعلامية أو صرخة سياسية او هتاف رياضي يجب أن يخضع للفحص والتحري قبل النشر ، الإعلامي كالجندي يرد على مصدر إطلاق النيران بحرفية وبسالة، ولا يجوز أن يمارس دور ساعي بريد الإفك والإشاعات.
ابتلع بلدنا ، على مدى العقود الماضية، كل المظالم التي ألصقت به وبالاردنيين، بلا سبب، وتسامحنا مع كل الذين قذفونا بحجارتهم، وتغافلنا عن محاولات جرّنا إلى المصائد والمكائد التي دبرت بليل، لم نقابل الجحود إلا بمزيد من العطاء، ولم نرد أحداً طرق أبوابنا ليستجير بنا، حتى اصبح بلدنا «الأول» على قائمة اللاجئين في العالم.
الآن، لم يعد أمامنا متسع للصمت او التغافل، لا بد ان نوجّه أصابعنا بجرأة ومسؤولية، باسم القانون والضمير العام، ومن اجل حماية بلدنا من اي عبث او استهداف، نحو قلة قليلة تحاول صناعة الفتنة ، نريد ان نعرفهم ونكشفهم ونحاسبهم ونقول لهم : كفى، هذا البلد لنا جميعا، لا فضل فيه لأحد على احد، كل الأردنيين فيه سواء، ومن يريد به شرّاً فنحن جميعا منه براء.
من يؤمن بالأردن ويضعه قضيته وقبلته الأولى، بدون هزة رأس ساخرة، أو مجاملات سياسية محسوبة ومدفوعة، فهو محل للاحترام والتقدير، أما من يدس السم في الدسم ويبحث عن نقطة سوداء ليصنع منها أهراما من الصور المشوهة، او يقسم المجتمع ويُخّون الدولة ويستهين بمواقفها ، ولا يراها إلا من ثقب شباك مشاريع الآخرين وقضاياهم، فهو ضد وحدتنا الوطنية، وضد مصالحنا العليا، وضد الأردن، مهما تلبس لبوس الوطنية او ركب موجاتها.



