جمعة الشوابكة
القرار السليم ليس مجرد توقيع على ورقة أو كلمة تصدر في لحظة معينة، بل هو مسؤولية تحمل في داخلها مصير أفراد ومجتمعات ومؤسسات. ولهذا فإن قيمة القرار لا تقاس بسرعة اتخاذه، بل بقدرته على تحقيق المصلحة وتقليل الضرر وفتح الطريق أمام الاستقرار والعمل والإنجاز. فالقرار الصحيح يسحب الطاقة السلبية من محيطه ويزرع الثقة بدلا من الخوف، ويصنع الأمل بدلا من القلق.
وصاحب القرار السليم يشبه الشمس التي تمنح نورها للجميع دون أن تشرق لنفسها، ويشبه الشجرة التي تعطي ثمارها للآخرين دون أن تأكل منها، ويشبه النهر الذي يروي الأرض ولا يشرب من مائه. فجوهر القيادة الحقيقية ليس البحث عن المكاسب الشخصية، بل القدرة على خدمة الناس وتحقيق المصلحة العامة بعقل متزن ورؤية واضحة.
ولأن القرارات الخاطئة قد تترك آثارا يصعب علاجها، فإن القرار السليم لا يولد من الانفعال ولا من ردود الفعل السريعة، بل من جمع المعلومات وتحليل الوقائع ودراسة جميع الاحتمالات قبل المضي في تنفيذه. فكل قرار يحمل نتائج مباشرة وغير مباشرة، وكل خطوة غير مدروسة قد تفتح أبوابا لم تكن في الحسبان. لذلك فإن الحكمة تقتضي النظر إلى العواقب قبل النظر إلى المكاسب الآنية.
كما أن نجاح القرار لا يعتمد على صحته فقط، بل على قدرة من سيتحملون مسؤولية تنفيذه على فهمه والإيمان به. فالقرار مهما كان جيدا قد يفشل إذا لم يجد البيئة القادرة على تطبيقه بالشكل الصحيح. ومن هنا تأتي أهمية الحوار والتشاور والاستماع إلى مختلف الآراء قبل الوصول إلى النتيجة النهائية.
والأخطر من القرار الخاطئ هو القرار الذي يغذي الطاقة السلبية ويزرع الانقسام ويؤسس للخلافات والفتن داخل المجتمع. فالقائد الحكيم لا يبحث عن قرار يرضي لحظة معينة، بل عن قرار يحفظ وحدة المجتمع ويعزز الثقة ويمنع أسباب التوتر والاحتقان. لأن الاستقرار لا يبنى بالشعارات، بل بقرارات عادلة ومدروسة تراعي مصالح الناس وتحمي مستقبلهم.
وفي النهاية، يبقى القرار السليم عنوانا للحكمة لا للقوة، وللمسؤولية لا للمصلحة، وللمستقبل لا للحظة العابرة. فالقرارات العظيمة لا تقاس بما تحدثه من ضجيج عند صدورها، بل بما تتركه من أثر إيجابي بعد سنوات من تطبيقها. ولذلك فإن القائد الناجح هو من يدرك أن كل قرار يكتبه اليوم قد يكتب معه جزءا من مستقبل وطن أو مجتمع أو مؤسسة بأكملها.




